ابن أبي مخرمة

314

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وأعطاه كتبه في آخر الأمر ، واستخلفه على تدريس أصحابه ، فتفقه به جمع كثير ، وصاروا أئمة فضلاء ، كالإمام علي بن إبراهيم البجلي ، والإمام أحمد بن علي بن هلال وغيرهم . حكي أن الفقيه أحمد بن إبراهيم المصبري ناظر فقهاء زبيد ، فلم يجد عندهم مقنعا ، فتمثل بقول الأول : [ من مجزوء الرجز ] لما دخلت اليمنا * رأيت وجهي حسنا أفّ لها من بلدة * أفقه من فيها أنا « 1 » ثم قصد أبيات حسين ، وكلما مر بفقيه . . قصده وناظره ، فقصد مدرسة الفقيه علي بن مسعود لمناظرته ، فكان أول من لقيه عمرو هذا ، فظن أنه الفقيه علي بن مسعود ، ففاتحه السؤال ، فلم يزل الفقيه عمرو يجيبه ويستزيده حتى نضب ما عنده ، ثم ألقى عليه الفقيه عمرو سؤالات أجاب عن بعضها وتوقف عن البعض ، فقال له الفقيه عمرو : كيف رأيت وجهك الآن ؟ ! - إشارة إلى البيت الذي كان يتمثل به - فقال : يا سيدي ؛ المعذرة إلى اللّه ثم إليك يا أبا الحسن ، فعلم الفقيه عمرو أنه لم يعرفه ، وأنه ظن أنه الفقيه علي بن مسعود ، فقال له : عند ذلك : لست الفقيه علي ، بل أنا بعض تلاميذه ، ها هو ذاك في محراب المسجد ، فاقدم عليه ، فقدم عليه ، ولم يزد على السلام ، وطلب الدعاء وقال في نفسه : إذا كان هذا درسيّ من درسته . . فكيف حال المدرس ؟ ! قال الجندي : ( وحصل بين الفقيه عمرو وبين الشيخ أبي الغيث بن جميل ألفة ، يقال : ترك الشيخ السماع في آخر عمره بإشارة الفقيه عمرو ، فلما علم الشيخ علي الشّنيني صاحب القرشية أن الشيخ أبا الغيث ترك السماع بإشارة الفقيه . . قصد أبيات حسين ، فوجد الفقيه والشيخ مجتمعين ، فقال للفقيه عمرو : كيف تنكر يا فقيه أحوال الفقراء ؟ ! فقال الفقيه : إنما أنكر على من أنكر اللّه ورسوله عليه ، فقال الشيخ علي الشّنيني : إن كان ما نقول حقا . . فما تقول هذه السارية ؟ فاضطربت السارية ، فقال الفقيه عمرو : لقد علمت أن ستر أحوال الصالحين عليهم أحرى بهم ، ثم ضرب الجدار ، وإذا به قد اضطرب ، وكادت الخشبة تقع في الأرض ، فبادر الشيخان إلى الإنصاف والاستغفار . ولم يزل الفقيه عمرو على الحال المرضي من التدريس والفتوى ونشر العلم إلى أن توفي

--> ( 1 ) البيتان لأبي نخلة ، انظر « تاريخ دمشق » ( 7 / 303 ) ، مع اختلاف فيهما .