ابن أبي مخرمة
286
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
السنة الثامنة والخمسون في ثاني صفر منها : نزل ملك التتار على حلب ، فلم يصبح عليهم الصباح إلا وقد حفروا خندقا عمق قامة وعرض أربعة أذرع ، وبنوا حائطا ارتفاع خمسة أذرع ، فنصبوا عشرين منجنيقا ، وألحوا بالرمي ، وشرعوا في نقب السور « 1 » . وفي تاسع صفر : ركبوا الأسوار ، ووضعوا السيف يومهم ومن الغد ، فقتل أمم ، واستتر خلق ، وبقي القتل والسبي خمسة أيام ، ثم نودي برفع السيف ، وأذن المؤذن يوم الجمعة ، وأقيمت الجمعة بأناس ، ثم أحاطوا بالقلعة فحاصروها ، ووصل الخبر يوم السبت إلى دمشق ، فهرب الناصر ، ثم حملت مفاتيح حماة إلى الطاغية المذكور ، واسمه : هولاكو ، وحاصرت التتار دمشق ، ورموا برج الطارمة بعشرين منجنيقا فتشقق ، وطلب أهلها الأمان فأمنوهم ، وسكنها النائب كتبغا ، وتسلموا بعلبك وقلعتها ، وأخذوا نابلس ونواحيها بالسيف ، ثم ظفروا بالملك ، وأخذوه بالأمان ، وساروا إلى ملكهم ، فرعى له صحبته ، وبقي في خدمته أشهرا ، ثم قطع الفرات راجعا ، وترك في الشام فرقة من التتار ، وتأهب المصريون ، وشرعوا في المسير ، وثارت النصارى بدمشق ، ورفعت رءوسها ، ورفعوا الصليب ، ومروا به ، وألزموا الناس القيام له من حوانيتهم ، ووصل جيش الإسلام عليهم الملك المظفر ، والتقى الجمعان على عين جالوت غربي بيسان ، فنصر اللّه دينه على سائر الأديان ، والحمد للّه اللطيف المنان ، وقتل في المصاف مقدم التتار كتبغا وطائفة من أمراء المغول ، ووقع بدمشق النهب والقتل في النصارى ، وأحرقت كنيسة مريم ، وذلك في أواخر رمضان ، وعيّد المسلمون على خير عظيم ، فلما رجع الملك المظفر بعد شهر إلى مصر . . أضمر شرا لبعض أهل الدولة ، وآل الأمر إلى أن رماه بهادر المعزي فقتله بقرب قطية ، وتسلطن ركن الدين الملك الظاهر ، وكان الظاهر قد ساق وراء التتار إلى حلب ، وطمع في أخذ حلب ، وكان قد وعده بها المظفر ، فلما رجع . . أضمر له الشر ، وحلف الأمراء بدمشق للنائب بها علم الدين الحلبي ، ولقب بالملك المجاهد ، وخطب له بدمشق مع الملك الظاهر « 2 » .
--> ( 1 ) « تاريخ الإسلام » ( 48 / 49 ) ، و « العبر » ( 5 / 241 ) ، و « مرآة الجنان » ( 4 / 148 ) ، و « شذرات الذهب » ( 7 / 502 ) . ( 2 ) « تاريخ الإسلام » ( 48 / 49 ) ، و « العبر » ( 5 / 241 ) ، و « مرآة الجنان » ( 4 / 142 ) ، و « البداية والنهاية » ( 13 / 256 ) ، و « شذرات الذهب » ( 7 / 502 ) .