ابن أبي مخرمة

27

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يقال : إنه كان في شبيبته قاطع طريق ، فخرج يوما في جماعة من قرابته الصريفيين إلى بعض الطرق لما هم بصدده ، فصادفوا امرأة سائرة في الطريق ، فأعجبهم حسنها ، فسألت باللّه ألا يفضحوها ويأخذوا ما معها من ملبوس وغيره ، فأبوا ، ووقعوا بها جميعا ما خلا الهتار ، فإنه ارتدع ولم يوافقهم ، وفارقهم من ساعته ، وتاب إلى اللّه تعالى ، وسار إلى قرية التربية فتديرها ، واشتغل بالعبادة والاجتهاد وسلوك الطريق حتى كان منه ما كان ، فيقال : إنه مجذوب . وقيل : إنه اجتمع ببعض رجال الغيب ، فحكّمه وعلّمه سلوك الطريق . وكان كبير القدر ، مشهور الذكر ، موفقا محفوظا ، وكان يجتمع بالنساء ويحادثهن فلا يجد لذلك تغيّرا ، وكان يجتمع في سماعه الرجال والنساء فلا يجد أحد تغيّرا ، وله ولأصحابه في ذلك أخبار يطول شرحها . ولما قرب وفاته . . ألزم أولاده وأصحابه ألا يسلكوا في طريقته في خلطة النساء ، وقال : إنكم لا تطيقون ذلك . وقال عند وفاته لابنه أبي بكر - وكان خليفته - : يا أبا بكر ؛ يأتيك من هذا النهج - وأشار إلى ناحية القور الكبير - رجل ممتحن بمرض ، فإذا أتاك . . حكّمه ، وأبلغه عني السلام ، واسأله الدعاء ، فبعد وفاة الشيخ بأيام يسيرة قدم عليهم الشيخ مسعود من موالي عرب يسكنون على قرب من القور في حدود رمع امتحن بالجذام ، فطرده مواليه ، فخرج مطرودا حتى قدم التربية ، فلما رآه الشيخ أبو بكر . . عرفه ورحّب به وأخذ عليه اليد ، وأمره بالعود إلى مواليه ، وأذن له في التحكيم ، فرجع إلى بلده وقعد في القور في موضع رباطه الآن ، وكان عقدة سلم ، فكان يستظلّ بالشجرة حتى فطن له ، وبني له موضع يستظل به ، وظهرت له كرامات . ومن كرامات الشيخ عيسى الهتار أنه كان بزبيد وعنده بعض أصحابه من أهل الجند يسمى : علي الفتى ، فالتفت إليه الشيخ وقال : يا علي ؛ يولد لك في هذه الليلة ولد . قال : فلما عدت إلى الجند . . وجدت ابني حسينا قد ولد في تلك الليلة . وبالجملة : فكراماته كثيرة ، ومناقبه شهيرة ، رحمه اللّه ونفع به . وكانت وفاته في سنة ست وست مائة .