ابن أبي مخرمة
265
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
شيئا آكله ، فقالت له : ليس في البيت شيء إلا وقد غطي وذكر اسم اللّه عليه ، قال : فما فيه صغير قد أكل شيئا فنام قبل أن يغسل فمه ؟ قالت : بلى ، ولكني أخشى أن تضره ، قال : لا ، ولكن إذا أصبح وعلى فيه شيء . . فاطلوه بطحلب الجرة « 1 » ، ثم غاب الكلب عن نظر الفقيه ، ورجع الفقيه إلى ورده وإذ به يسمع بكاء ابن له صغير في مهده ، فاستيقظت أمه ، وحركته حتى نام ، فلما أصبح . . ظهر على فم الصبي بثر ، فقالت أمه للفقيه : انظر هذا الذي أصبح على فم ابني ، فقال : منك ، تطعمينه ولا تغسلين له فمه من الطعام ، فذكرت أنها لم تغسل فمه تلك الليلة من الطعام ، فأخذ الفقيه طحلب الجرة ، وطلا به فم الصبي فبرئ ، ثم أقبلت الهرة تمشي على عادتها ، فقال لها الفقيه : هكذا يا مسعودة تساعدين علينا ؟ ! فنظرت إلى الفقيه ساعة ثم ولت ، فقال الفقيه : قد ربينا هذه الهرة ، فاللّه عليها خير حفظا ، فنزلت الهرة إلى الدّهليز ، وأرادت تخرج من طاقة ، فحنبت فيها « 2 » ، فلما كان بعد يومين . . فقدت ، فبحثوا عنها ، فوجدوها قد حنبت في تلك الطاقة ، فأمر الفقيه من خلصها وأتى بها إليه ، فقال لها : لا بأس عليك ، لا تغيري الصحبة . فلما اشتهرت هذه الحكاية . . صار كل من حصل عليه بثر حول فمه طلاه بطحلب الجرة فبرئ ، وجرب ذلك مرارا . وكان الفقيه المذكور خطيب بلده وإمام جامعها . وتوفي نحوا من سنة ستين وست مائة ، وحضر دفنه خلق لا يحصون . قال الجندي : ( ومن غريب ما جرى يوم موته أنه كانت له بقرة - غالب إدامه من درها ودهنها - هلكت يوم وفاته ، وأخرجت من الموضع قبل أن يخرجوا بالفقيه ، وكان بينه وبين مؤذن مسجده مودة أكيدة ، فلما توفي الفقيه . . خرج المؤذن في جملة المشيعين ، وخرج معه بولد صغير له يحمله على كتفه ؛ خوفا عليه من الزحام ، فلما فرغ من الدفن . . جعل يطلب ولده يمينا وشمالا ، فلما لم يبن . . صاح به ، فأجابه الصبي وهو على كتفه ، فتعجب الناس من اشتغال خاطره حتى نسي ابنه وهو على كتفه ) « 3 » .
--> ( 1 ) الطحلب - بضم الطاء واللام ، وبفتح اللام أيضا - : الخضرة التي تعلو الماء الراكد . ( 2 ) حنبت : علقت ( لهجة يمنية ) . ( 3 ) « السلوك » ( 1 / 472 ) .