ابن أبي مخرمة
250
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
والعبادة ، فصالح غرماءه ، وقضى ديونه ، ثم ارتحل إلى قفر حاشد ، وهو موضع لا يسكنه إلا الوحوش كالأسود وغيرها ، ويسكنه البدو على حذر من الأسود ، قال : فلما وصله وعزم على دخوله . . لم يهب شيئا ، ولا داخله فزع حتى وصل إلى شجرة تحتها عين ماء تجري ، قال : فأقمت عندها أربعين يوما والأسود تمر بي يمينا وشمالا ولا أهابها ، وإنما هي عندي كالغنم ، وأنا أقتات من الشجر ، وأصلي ما استطعت ، ثم سمعت صوت جماعة يقرءون القرآن ، وآخرين يسبحون بنغمات طيبة ، وكانت قد سقطت قواي من عدم الطعام ، فحين سمعت الأصوات انتعشت قواي ، فجعلت أسير وأتتبع الأصوات ، فلم ألق أحدا ، فقلت في نفسي : لو كان فيّ شيء من الخير . . لكنت ألقى القوم ولم يحتجبوا عليّ ، فسمع قائلا يقول : يا فقيه علي ؛ إن اللّه لم يستعملك لهذا ، عد إلى بيتك ، وانشر العلم ، فهو أفضل من العبادة التي أقبلت عليها ، فقلت له : سألتك باللّه الذي أعطاك ما أعطاك ، هل أنت إنسي أم جني ؟ فقال : بل إنسي ، فقلت : أظهر شخصك ، فظهر رجل في صورة حسنة عليه مدرعة وقلنسوة ، الجميع من صوف ، فسلم ، ورددت عليه ، ثم أعاد علي ما كان كلمني به غيبا مشاهدة ، فقلت في نفسي : لعل هذا شيطان ، فقال : واللّه ما أنا بشيطان ، ولقد نصحتك ، فإن شئت . . فأقم ، وإن شئت . . فرح بعد استخارة اللّه تعالى ، ثم غاب عن بصري ، فصليت الاستخارة ، فلم أكد أفرغها حتى عرض بخاطري ذكر ابنة لي صغيرة كنت محبا لها ، فلم أطق الوقوف بعد ذلك ، بل عزمت إلى منزلي ، فلما أخذت في ذلك . . داخلتني الوحشة من القفر ، وصرت كلما سمعت حركة في طريقي . . ارتبت منها وأنا مع ذلك سائر حتى أتيت البيت . فلما قرب من المنزل . . رآه بعض من يعرفه ، فبادر إلى أهل المنزل وبشرهم بوصوله ، فكساه بعضهم ثوبا بشارة ، فخرج الناس من القرية للقائه ، فوجدوه يتلألأ نورا بحيث يعجز ناظره عن تأمله لذلك ، ثم أقبل على نشر العلم بجد واجتهاد إلى أن توفي سنة سبع وخمسين وست مائة . وكان مسكنه المعيرير - بضم الميم ، وفتح العين المهملة ، ثم مثناة من تحت ساكنة ، ثم راءين مهملتين بينهما مثناة من تحت ساكنة - قرية من ناحية المخادر ، وبها توفي ، وحمل على أعناق الرجال إلى قرية المحفد ، ودفن قبلي مدرسته ، وقبره يزار ، وتوجد منه رائحة المسك خصوصا ليلة الجمعة ، وعمره ثمانون سنة ) « 1 » .
--> ( 1 ) « السلوك » ( 2 / 187 - 189 ) .