ابن أبي مخرمة

223

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وصحب في بدايته الشيخ ابن أفلح اليمني حتى ظهر عليه صدق الإرادة ، وسيماء السعادة ، وبدت منه كرامات : منها : أنه خرج يحتطب ومعه حمار يحمل عليه الحطب ، فوثب الأسد على الحمار فافترسه ، فجمع الحطب ، وحمله على الأسد والأسد مطيع ، وساقه إلى أن وصل به إلى طرف البلد ، ثم حط عنه الحطب وقال له : اذهب . ومنها : أن زوجة شيخه المذكور طلبت منه شراء عطر من السوق ، فذهب ليشتري لها ، فكلم بعض العطارين في ذلك ، فقال العطار : ما عندي شيء ، فقال له أبو الغيث : ما عندك شيء ، فانعدم في الحال جميع ما كان في دكان العطار ، فجاء إلى الشيخ يشكو إليه ما جرى على حوائجه من أبي الغيث ، فاستدعى به الشيخ ، وخاصمه بسبب إظهار ما ظهر له من الكرامة وقال له : سيفان لا يصلحان في غمد واحد ، اذهب عني ، فداراه أبو الغيث وتضرع له والتزم به ، فأبى أن يصحبه ، فذهب يلتمس من يصحب من الشيوخ لينتفع به ، فكل من التمس منه الصحبة يقول : اكتفيت ، ما تحتاج إلى شيخ ، حتى جاء إلى الشيخ الكبير العارف باللّه الخبير السيد المبجل المعروف بعلي الأهدل ، فالتمس منه الصحبة ، فأنعم له بذلك . قال أبو الغيث : فلما صحبته . . كأني قطرة وقعت في بحر . وقال أيضا : كنت عند ابن أفلح لؤلؤة بهماء ، فثقبها الأهدل ، وعلقها في عنقي . قال الشيخ اليافعي : ( كأنه يشير إلى أن محاسن أحواله المشكورة كانت عند ابن أفلح مستورة ، فلما صحب الأهدل . . أظهر محاسنه التي يجليها عليه لكل من يجتليها ) « 1 » . قال : ( وله من الكلام في الحقائق الغامضات الدقائق ، ما لا يفهمه إلا الخواص من الخلائق ، ومن المواهب والعطاء الجسيم ، ما لا ينال إلا من فيض فضل اللّه العظيم ) « 2 » . توفي الشيخ أبو الغيث في سنة إحدى وخمسين وست مائة .

--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 4 / 122 ) . ( 2 ) « مرآة الجنان » ( 4 / 126 ) .