ابن أبي مخرمة

19

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

قال الشريف علي بن أبي بكر : ( كان سالم بن بصري أعجوبة زمانه ، وعلامة أوانه ) « 1 » . وقال الخطيب : ( ومن أولاد عبيد الشيخ الكبير بصري ، جد الشيخ الكبير ، العارف باللّه الشهير ، الإمام المحقق ، الجامع بين علمي الظاهر والباطن . . سالم بن بصري ، كان فقيها فاضلا ، كشافا للبليات ، سمحا بالعطايا الجزيلات ، جل أن يحيط بمحاسنه واصف . وحكي : أنه لما كثر الصالحون في تريم في عصر واحد . . جمعهم والي تريم وقال : انتقوا لي خياركم ، وأراد يمتحنهم وهم لا يشعرون ، فانتقوا له مائة رجل منهم وقالوا : هؤلاء خيارنا ، فقال : انتقوا خير هؤلاء المائة ، فانتقوا له من المائة عشرة ، فقال : انتقوا لي خير هؤلاء العشرة ، فاختاروا له منهم الشيخ الفقيه سالم بن بصري المذكور ، فأرسل الوالي إلى امرأة بالبلد لها بنت جميلة ، فأمرها أن تزين بنتها ، وتدخل عليها الشيخ سالم لعلها تفتنه ، وبذل لها على ذلك مالا جزيلا ، فأجابته ، وكان الشيخ سالم يزور القبور كل يوم ، وكان ممره للزيارة على دار تلك المرأة ، فزينت المرأة بنتها بما تقدر عليه من الحلي والحلل وقالت لها : إذا دخل عليك الشيخ سالم . . فتبرجي له ، وتعلقي به ، وراوديه عن نفسه ، ثم قعدت المرأة على باب بيتها ، فلما مر عليها الفقيه . . قالت له : لي بنت محمومة عساك تقرأ عليها ، فقال : حتى أرجع من زيارة القبور ، فلما رجع من الزيارة . . قالت له : بسم اللّه ، فدخل الشيخ البيت ليقرأ على المحمومة ، فأغلقت المرأة عليه الباب ، ووقفت خارجا ، فبرزت له البنت ، وخلعت ثيابها ، وتعلقت به تراوده عن نفسه ، فخلع الشيخ نعله وضربها به ، وكلما ضربها ضربة . . وقع موضعها حزازة جذام ، ثم سار الجذام في جميع جسد البنت ، فصاحت ، فدخلت عليها أمها ، وخرج الشيخ ، فقالت البنت لأمها : ما أدخلت علي آدميا ، ما أدخلت علي إلا أسدا ! أو نحو هذا ، فذهبت المرأة ببنتها إلى السلطان وأخبرته بالقصة وقالت له : ما أصاب بنتي هذا إلا من أجلك ، فدواؤها عليك ، فأرسل السلطان إلى الشيخ سالم ، ولم يغضب الشيخ سالم ، ولم يتغيّر حاله لا من فعل السلطان ، ولا من فعل المرأة ، فاستغفر السلطان واعتذر إليه ثم قال له : يا شيخ ؛ هذه البنت أصابها ما ترى من عقوبتك ، فعساك تبرئها ، فأخذ الشيخ ماء وتفل فيه ، وقرأ فيه ما تيسر ، ومسح به جسد البنت ، فبرئت من وقتها .

--> أحمد بن عيسى . انظر « المشرع الروي » ( 2 / 111 ) ، و « شمس الظهيرة » ( 1 / 61 ) . ( 1 ) « البرقة المشيقة » ( ص 68 ) ، وعبارتها : ( واحد زمانه ، وفرد أوانه ) .