ابن أبي مخرمة
147
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ولما أخذت الفرنج دمياط في سنة عشر وست مائة . . توجه ملوك الشام إلى الديار المصرية لإنجاد الملك الكامل ، وتأخر عنه الملك الأشرف لمنافرة كانت بينهما ، فجاءه أخوه الملك المعظم عيسى وأرضاه ، فلم يزل يستعطفه حتى استصحبه معه ، فعقب وصوله . . انتزعت دمياط من الفرنج ، فكانوا يرون أن ذلك بسبب يمن غرته . ولما مات الملك المعظم عيسى بن الملك العادل ، وتولى ولده الملك الناصر . . قصده عمه الملك الكامل محمد من الديار المصرية ليأخذ دمشق ، فاستنجد الناصر بعمه الملك الأشرف ، فحصل الاتفاق على تسليم دمشق للملك الأشرف ، ويكون للناصر الكرك والشوبك ، ونابلس وبيسان ، وتلك النواحي ، وينزل الأشرف عن حران والرها ، وسروج والرقة ورأس عين ، ويسلمها إلى الملك الكامل ، فأقام الملك الأشرف بدمشق ، ثم جرت أمور يطول ذكرها ، ووقعت الوحشة بين الكامل والأشرف ، واتفقت الملوك بأسرها مع الأشرف ، وتعاهد هو وصاحب الروم وصاحب حماة وصاحب حمص وأصحاب المشرق على الخروج على الملك الكامل ، ولم يبق مع الكامل سوى ابن أخيه الملك الناصر صاحب الكرك ؛ فإنه توجه إلى خدمة الكامل بالديار المصرية ، فلما عزموا على الخروج على الكامل . . مرض الملك الأشرف مرضا شديدا ، وتوفي بدمشق في سنة خمس وثلاثين وست مائة ، وتسلطن بعده أخوه الصالح إسماعيل . وكان الأشرف سلطانا حليما ، واسع الصدر ، كريم الأخلاق ، كثير العطاء ، لا يوجد في خزانته شيء مع اتساع مملكته ، ولا تزال عليه الديون للتجار وغيرهم . طرب ليلة في مجلس أنسه ، فأعطى صاحب الملاهي مدينة خلاط ، فتوجه لقبضها من النائب ، فعوضه النائب عنها جملة كثيرة من المال . وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ، حسن الاعتقاد فيهم ، بنى بدمشق دار الحديث ، وفوض تدريسها إلى الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح . وله مآثر حسنة ، مدحه أعيان شعراء عصره ، وكان محبوبا إلى الناس ، مسعودا مؤيدا في الحروب ، كسر أرسلان صاحب الموصل ، وكان من الملوك المشاهير ، وله مع صاحب الروم وابن عمه الملك الأفضل وقائع مشهورة .