ابن أبي مخرمة

46

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وتوسط شيخنا القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجد رحمه اللّه فقال « 1 » : وللحريري قصيدة في تفضيل الغنى على الفقر يقول فيها : [ من البسيط ] وانظر بعينك هل أرض معطّلة * من النّبات كأرض حفّها الشّجر فعدّ عمّا تشير الأغبياء به * فأيّ فضل لعود ما له ثمر وارحل ركابك عن ربع ظمئت به * إلى الجناب الذي يهمي به المطر وقد عارضه الشيخ اليافعي بقصيدة طويلة فضل فيها الفقر على الغنى ، وكذا عارضه في بيتي الزيارة بأبيات فصل فيها تفصيلا طويلا ) « 2 » . يقال : إن الحريري كان دميما ، قبيح المنظر ، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا من شعره ، فلما رآه . . استزرى شكله ، ففهم الحريري ذلك منه ، فلما التمس أن يملي عليه . . قال : اكتب : [ من البسيط ] ما أنت أوّل سار غرّه قمر * ورائد أعجبته خضرة الدّمن فاختر لنفسك غيري إنّني رجل * مثل المعيديّ فاسمع بي ولا ترني فخجل الرجل منه وانصرف ، والمعيدي - بضم الميم ، وفتح العين ، وسكون المثناة من تحت ، ثم دال مهملة مكسورة - رجل منسوب إلى معد بن عدنان ، وقد نسبوه بعد أن صغروه وخففوا منه الدال ، وفيه جاء المثل المشهور : ( لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) وهذا المثل يضرب لمن له صيت وذكر ، ولا منظر له ، قال المفضل الضبي : أول من تكلم به المنذر بن ماء السماء ، قاله لشقّة بن ضمرة التميمي الدارمي ، وكان قد سمع بذكره ، فلما رآه . . اقتحمه ، فقال المنذر : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، فقال له شقة : أبيت اللعن ؛ إن الرجال ليسوا بجزر يراد منها الأجسام ، إنما المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، فأعجب المنذر ما رأى من عقله وبيانه . ولد الحريري سنة ست وأربعين وأربع مائة ، وكان يسكن في سكة بني حرام بالبصرة ،

--> ( 1 ) لم يذكر المؤلف رحمه اللّه تعالى أبيات شيخه شهاب الدين أحمد بن عمر المزجد المتوفى سنة ( 930 ه ) ، وترك مكانها بياضا ، ولعلها هذه : [ من الخفيف ] أنا في سلوة على كل حال * إن أتاني الحبيب أو إن أباني إغنم الوصل إذ دنا في أمان * وإذا ما نأى أعش بالأماني وانظر ترجمة شهاب الدين المزجد في « تاريخ الشحر » ( ص 160 ) ، ومنه نقلنا هذه الأبيات . ( 2 ) انظر « مرآة الجنان » ( 3 / 218 ) .