ابن أبي مخرمة
44
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
على والدي أن يضم إليها غيرها ، فأتمها خمسين مقامة ، وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة « المقامات » بقوله : ( فأشار - من إشارته حكم ، وطاعته غنم - إلي أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع ) هكذا وجد في عدة تواريخ . وفي نسخة من « المقامات » عليها خط مصنفها ، وقد كتب بخطه أيضا على ظهرها : أنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسين بن أبي العز علي بن صدقة ، وزير المسترشد . قيل : وهذا أصح من الرواية الأولى ؛ لكونه بخط المصنف ، واللّه أعلم . وذكر القاضي أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني وزير حلب في كتابه المسمى : « إنباه الرواة على أنباه النحاة » أن أبا زيد المذكور اسمه : المطهر بن سلار ، وكان بصيرا ، نحويا لغويا ، صحب الحريري المذكور ، واشتغل عليه بالبصرة وتخرج ، وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندائي الواسطي « ملحة الإعراب » للحريري ، وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال : قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة ، فسمعنا منه ، وتوجه منها مصعدا إلى بغداد ، فوصلها ، وأقام بها مدة يسيرة ، وتوفي بها رحمه اللّه . وأما تسميته الراوي لها بالحارث بن همام . . فإنما عنى به نفسه . قال ابن خلكان : ( هكذا وقفت عليه في بعض شروح « المقامات » ، وهو مأخوذ من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كلكم حارث ، وكلكم همام » « 1 » فالحارث الكاسب ، والهمام كثير الاهتمام ، وما من شخص . . إلا وهو حارث وهمام ؛ لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره ) « 2 » . ويقال : إن الحريري كان عملها أربعين مقامة ، وحملها من البصرة إلى بغداد ، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد وقالوا : إنها ليست من تصنيفه ، وقالوا : هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ، ووقعت أوراقه إليه ، فادعاها ، فاستدعاه الوزير إلى الديوان ، وسأله عن صناعته فقال : أنا رجل منشئ ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة
--> ( 1 ) انظر « المقاصد الحسنة » ( ص 319 ) ، و « كشف الخفاء » ( 2 / 115 ) . ( 2 ) « وفيات الأعيان » ( 4 / 65 ) .