ابن أبي مخرمة

34

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الحزبين ، وانشقت العصا ، وثارت الفتنة بين الحزبين حتى كاد أن يكون بين الإمامين ، فضاق الفقيه زيد من ذلك ، وهاجر إلى مكة المشرفة ؛ خوف الفتنة ، فأقام بها اثنتي عشرة سنة . وفي مدة إقامته بمكة توفي شيخاه الطبري والبندنيجي ، فتعين التدريس والفتوى بمكة المشرفة على زيد اليفاعي ؛ إذ لم يكن بعدهما أكبر قدرا منه في علمه وعمله . وكان في مدة إقامته بمكة يأتيه مغل أرضه من اليمن مستوفرا ، فيقتات بعضه ، ويعامل ببعضه حتى تحصل له مال جزيل ، ولم يزل مجللا معظما عند المكيين . ثم عاد إلى اليمن بعد موت المفضل بن أبي البركات وشيخه الفقيه أبي بكر ، فأقام بالجند ، فقصده الطلبة من عدن ولحج وأبين وحضر موت وتهامة والجبال . وممن اشتهر بالأخذ عنه الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني ، وأبو بكر بن محمد اليافعي ، وعبد اللّه بن أحمد الزبراني وغيرهم من الفضلاء . ولزم الفقيه طريق الخمول ، وكان متورعا ، متنزها عن صحبة الملوك ومخالطة الأمراء وأخذ جوائزهم ، وأجمع أهل زمانه على نزاهة عرضه ، وجودة علمه ، وشدة ورعه ، وكان ذا عبادة ، يخرج كل ليلة من منزله بعد هوي من الليل ، فذكر بعض من يبيت في المسجد أنه رأى الفقيه ليلة وقد دخل المسجد وجعل يتأله ، وصلّى ما شاء اللّه ، ثم خرج من المسجد ، فتبعه الرجل ، فلما صار على باب المدينة . . انفتح له الباب ، وتبعه الرجل مسرعا ، فلما وصل الفقيه موضع قبره الآن . . أحرم بالصلاة ، فلم يزل يركع حتى صعد المؤذن المنارة ، فأخف صلاته ، وعاد المدينة كما خرج ، فانفتح له بابها ، ثم باب المسجد ، فلما صلّى الصبح . . قعد يذكر اللّه والرجل في ذلك يراقبه من حيث لا يشعر ، فدنا منه ، فقبل يده ، وأخبره بما رأى في جميع حالاته ، فقال له الفقيه : إن أحببت الصحبة . . فلا تخبر أحدا ما دمنا في الحياة . وكرامات الفقيه كثيرة ، ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي في أحد الربيعين من سنة أربع عشرة - وقيل : خمس عشرة - وخمس مائة ، وقبر غربي الجند ، وقبره هناك مشهور يزار ويتبرك به ، وقلّما قصده ذو حاجة . . إلا قضى اللّه حاجته ، نفع اللّه به آمين .