ابن أبي مخرمة

25

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

2167 - [ السلطان يحيى الحميري ] « 1 » السلطان أبو طاهر يحيى بن تميم بن المعز الحميري ، صاحب إفريقية . نشر العدل ، وافتتح عدة قلاع لم يتأتّ لأبيه فتحها . وكان جوادا ممدحا ، عالما ، كثير المطالعة للأخبار والسير ، عارفا بها ، رحيما للضعفاء ، شفوقا على الفقراء ، يقرب أهل العلم والفضل من نفسه ، وكان عارفا بصناعة النجوم . توفي يوم عيد الأضحى من سنة تسع وخمس مائة فجأة ، وذلك أن منجمه قال له : إن في تسيير مولدك في هذا النهار عليك عكسا ، فلا تركبه ، فامتنع من الركوب ، وخرج أولاده ورجال دولته إلى المصلى ، فلما انقضت الصلاة . . حضر رجال الدولة على ما جرت به العادة للسلام ، وقرأ القراء ، وأنشد الشعراء ، وانصرفوا إلى الإيوان ، فأكل الناس ، وقام يحيى إلى مجلس الطعام ، فلما وصل إلى باب المجلس . . أشار إلى جارية من حظاياه ، فاتكأ عليها ، فما خطا من باب البيت سوى ثلاث خطوات حتى وقع ميتا . وخلف ثلاثين ابنا ، فملك بعده ابنه علي ستة أعوام ، فمات ، فملّكوا بعده الحسن بن علي وهو مراهق ، فامتدت دولته إلى أن أخذت الإفرنج طرابلس الغرب بالسيف سنة إحدى وأربعين وخمس مائة ، فخاف ، وفر من المهدية ، والتجأ إلى عبد المؤمن . قال الشيخ اليافعي : ( وهذا العلم وما ندب إليه من الحذر . . لا يغني عن وقوع ما سبق في علم اللّه تعالى من القدر ، ومن ذلك ما يحكى أن بعض الملوك قال له بعض المنجمين : أنت تموت في الساعة الفلانية من اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية من عقرب تلدغك ، فلما كان قبل الساعة المذكورة . . تجرد من جميع لباسه سوى ما يستر به العورة ، وركب فرسا بعد أن غسله ونظفه ونفض شعره ، ودخل بفرسه إلى البحر ؛ حذرا مما ذكر له من وقوع هذا الأمر ، فبينا هو كذلك . . فاجأه ما يخشى من المهالك ، وذلك أن فرسه عطست ، فخرجت من أنفها عقرب فلدغته ، ولم يغن عنه ما رام من الاحتراز والهرب ، نسأل اللّه تعالى كمال الإيمان بنفاذ قدره ، آمين ، آمين ) « 2 » .

--> ( 1 ) « الكامل في التاريخ » ( 8 / 609 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 6 / 211 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 35 / 238 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 19 / 412 ) ، و « مرآة الجنان » ( 3 / 198 ) ، و « تاريخ ابن خلدون » ( 6 / 213 ) ، و « شذرات الذهب » ( 6 / 43 ) . ( 2 ) « مرآة الجنان » ( 3 / 199 ) .