ابن أبي مخرمة
134
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فاستشار الأعيان ، فأشاروا بالتجنيد ، فرد على مسعود بقوة نفس ، وأخذ يتهيأ ، فانزعج أهل بغداد ، وعلقوا السلاح ، ثم إن الراشد قبض على إقبال الخادم ، وأخذت حواصله ، فتألم العسكر لذلك ، وشغّبوا ، ووقع النهب ، ثم جاء زنكي وسأل في إقبال سؤالا تحته إلزام ، فأطلق له ، واجتمع عند الراشد جملة من العساكر ؛ فإنه ورد إليه زنكي بن آقسنقر من الشام والملك داود بن محمود بعساكر أذربيجان ، وورد إليه صاحب قزوين وصاحب أصبهان في جندهما ، وصاحب الحلة صدقة بن دبيس ، فخرج بهم لحرب السلطان مسعود ، فجاء عسكر مسعود ، فنازلوا بغداد ، وقاتلهم الناس ، وخامر جماعة أمراء إلى الراشد ، ثم بعد أيام وصل رسول مسعود يطلب من الراشد الصلح ، فقرأ كتابه على الأمراء ، فأبوا إلا القتال ، فأقبل مسعود في خمسة آلاف راكب ، ودام الحصار ، واضطرب عسكر الخليفة ، وجرت أمور يطول شرحها وذكرها ، ثم كاتب السلطان مسعود زنكي بن آقسنقر ووعده ومناه ، وكتب إلى الأمراء : إنكم إن قتلتم زنكي . . أعطيتكم بلاده ، فعلم بذلك زنكي ، فرحل هو والراشد عن بغداد ، فدخلها مسعود ، وأظهر العدل ، واجتمع إليه الأعيان والعلماء ، وحطوا على الراشد وطعنوا فيه ، وقيل : إن مسعودا خوفهم وأرهبهم إن لم يخلعوا الراشد ، فكتبوا محضرا بذلك ، ووضعوا فيه خطوطهم بما يقتضي خلعه ، وحكم ابن الكرخي الجزم بخلعه ، وأحضروا محمد بن المستظهر ، فبايعوه ، ولقبوه : المقتفي لأمر اللّه ، ثم أخذ مسعود جميع ما في دار الخلافة ، حتى لم يدع فيها سوى أربعة أفراس « 1 » . وفيها : كانت وقعة بين الملك داود وبين قراسنقر ، كسر فيها داود « 2 » . وفيها : توفي الحافظ أبو نصر إبراهيم بن الفضل الأصبهاني ، وشيخ دمشق ومحدثها علي بن أحمد الغساني النحوي الزاهد ، وأبو سهل محمد بن إبراهيم الأصبهاني المزكي ، راوي مسند « الروياني » عن أبي الفضل الرازي . وفيها : الشيخ الكبير أبو عبد اللّه محمد بن حمويه الجويني ، ومسند أصبهان أبو بكر محمد بن علي الصالحاني ، وفقيه الحرم أبو عبد اللّه محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي النيسابوري ، واللّه سبحانه أعلم .
--> ( 1 ) « المنتظم » ( 10 / 283 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 9 / 71 ) ، و « العبر » ( 4 / 79 ) ، و « مرآة الجنان » ( 3 / 257 ) ، و « البداية والنهاية » ( 12 / 712 ) . ( 2 ) « الكامل في التاريخ » ( 9 / 80 ) .