ابن أبي مخرمة

99

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يقاربه ، فاستنكر الملك مقالتهم ، وطالبهم بإقامة البرهان على ذلك ، فقعدوا عنده وحسبوه ، وظهر له صدق قولهم فقال الملك لصصه : أنت في اقتراحك ما اقترحت أعجب حالا من وضعك الشطرنج . قال القاضي ابن خلكان : ( وطريق هذا التضعيف أن يضع الحاسب في البيت الأول حبة ، وفي الثاني حبتين ، وفي الثالث أربع حبات ، وفي الرابع ثماني حبات ، وهكذا إلى آخره ، كلما انتقل إلى بيت . . ضاعف ما قبله وأثبته فيه ، قال : ولقد كان في نفسي شيء من هذه المبالغة حتى اجتمع بي بعض حساب الإسكندرية وذكر لي طريقا تبين صحة ما ذكروه ، وأحضر لي ورقة بصورة ذلك ، وهو أنه ضاعف العدد إلى البيت السادس عشر ، فأثبت فيه اثنتين وثلاثين ألفا وسبع مائة وثماني وستين حبة ، وقال : تجعل هذه الجملة مقدار قدح ، قال : فعبرناها ، فكانت كذلك والعهدة عليه في هذا النقل ، ثم ضاعف القدح في البيت السابع عشر ، وهكذا حتى بلغ ويبة في البيت العشرين ، ثم انتقل إلى الويبات ، ومنها إلى الأرادب ، ولم يزل يضاعفها حتى انتهت في بيت الأربعين إلى مائة ألف إردب وأربعة وسبعين ألف إردب وسبع مائة واثنين وستين إردبا وثلثي إردب ، وقال : تجعل هذه الجملة شونة ؛ فإن الشونة ما يكون فيها أكثر من هذا ، ثم ضاعف الشون إلى بيت الخمسين ، فكانت الجملة ألفا وأربعا وعشرين شونة ، فقال : تجعل هذه مدينة ؛ فإن المدينة لا يكون فيها أكثر من هذه الشون ، وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من الشون ؟ ! ثم ضاعف البلدان حتى انتهت إلى بيت الرابع والستين ، وهو آخر أبيات رقعة الشطرنج ، إلى ستة عشر ألف مدينة وثلاث مائة وأربع وثمانين مدينة ، وقال : تعلم أن ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد ؛ فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة ، وهو ثمانية آلاف فرسخ ، بحيث لو وضعنا طرف حبل على أي موضع كان من الأرض ، وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض ، والتقى طرفا الحبل ، فإذا مسحنا ذلك الحبل . . كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل ، وهي ثمانية آلاف فرسخ ، قال : وذلك قطعي لا شك فيه ، قال : ومعلوم أن ما في الأرض من المعمور هو قدر ربع الكرة بطريق التقريب ) « 1 » .

--> ( 1 ) « وفيات الأعيان » ( 4 / 358 ) .