ابن أبي مخرمة
537
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فلما صار بعدن . . قدم وزيره ابن أبي الطاهر إلى زبيد على طريق الساحل ، وأمره أن يستأمن لنفسه ، وأن يشيع بموت جياش بالهند ، وأن يكشف له عن حقيقة من بقي من قومه من الحبشة ، وصعد جياش إلى ذي جبلة يكشف عن أحوال المكرم أحمد بن علي الصليحي وما هو عليه من العكوف على لذاته ، واضطراب جسمه ، وتفويض الأمر إلى زوجته السيدة ، ثم انحدر إلى زبيد ، واجتمع بوزيره خلف ، فأخبره بما طابت به نفسه عن مواليه وبني عمه وعبيده ، وجرى على عادة أهل الهند في تطويل أظفاره وشعره وستر إحدى عينيه بخرقة ، فمكث مدة بزبيد يكاتب الحبشة المتفرقين في الأعمال يأمرهم بالاستعداد حتى حصل حول المدينة خمسة آلاف حربة متفرقة ، بعضها في الجوار ، وبعضها في المدينة ، ورأى مولاه الحسين بن سلامة في النوم وقال له : يعود لك الأمر الذي تحاوله ليلة ولادة هذه الجارية الهندية ، ثم التفت الحسين إلى جانبه الأيمن ، فقال لرجل معه : أليس الأمر كذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : بلى ، ويبقى الأمر في ولد هذا المولود برهة من الدهر ، وكان جياش في مدة تنكره بزبيد كثيرا ما يلعب الشطرنج مع علي بن ألقم وزير أسعد بن شهاب الصليحي والي زبيد ومع ولده الحسين بن علي بن ألقم ، فلعب يوما مع الحسين بحضرة أبيه ، وتراخى له حتى غلبه الحسين قصدا في التقرب إلى قلب أبيه ، فطاش الحسين من الفرح ، وسفه على جياش ، ثم مد يده إلى الخرقة التي على عينه ، فقام جياش مغضبا ، فعثر من الغيظ ، فاعتزى وقال : أنا جياش بن نجاح على جاري عادته ، فلم يسمعه سوى علي بن ألقم ، فوثب خلفه حافيا يجر إزاره حتى أدركه ، فأمسكه وأخرج له المصحف ، فحلف له يمينا طابت به نفسه ، وحلف جياش له أيضا ، ثم هيأ له دارا ، وأمره بنقل الجارية الهندية إليها ، وحمل إليها أثاثا وماعونا ووصائف ووصفان ، وعوّق جياشا عنده إلى الليل ، ثم أذن له في الانصراف ، فانصرف إلى البيت ، فوجد الجارية قد وضعت الفاتك بين المغرب والعشاء ، ثم أتاه علي بن ألقم ليلا وقال له : اعلم أن خبرنا لا يخفى على أسعد بن شهاب ، فأخبره جياش أن في البلد خمسة آلاف حربة من أهله وعبيده ، فقال له ابن ألقم : ملكت البلاد ، فاكشف أمرك ، فأمر جياش بضرب الطبول والأبواق ، وثار معه عامة أهل البلد وخمسة آلاف حربة من الحبشة ، فأسر أسعد بن شهاب ، وأحسن إليه ، وجهزه إلى صنعاء في أهله وحشمه كما ذكرناه في ترجمة أسعد بن شهاب ، وتسلم جياش دار الإمارة بما فيها صبيحة الليلة التي ظهر فيها ولده ، فلم يمض شهر حتى كان يركب في عشرين ألف حربة من الحبشة ، فسبحان المعز بعد الذلة ، والمكثر بعد القلة .