ابن أبي مخرمة
509
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فقد اجتهدت فلم يسمح ببعض ما كان يأتي ، فعلم صدقها ، فرجع عن تلك النية ، ثم قال : ارجعي الآن ؛ فإنك تبلغين الغرض ، وعقد على نفسه ألا يفعل ما نواه ، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر وهي مستبشرة ، فقال السلطان للواعظ : لم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان ، فقال للناطور : ناولني عنقودا من الحصرم ، فقال له : ما يمكنني ذلك ؛ فإن السلطان لم يأخذ حقه ، ولا يجوز لي خيانته ؟ ! فعجب الحاضرون من مقابلته الحكاية بمثلها ، ومعارضته ما أوجب الحق له بما أوجب الحق عليه . ويحكى أن مغنية أحضرت إليه وهو بالري ، فأعجب بها ، واستطاب غناءها ، فهم بها ، فقالت : يا سلطان ؛ إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار ، وإن الحلال أيسر ، وبينه وبين الحرام كلمة ، قال : صدقت ، فاستدعى القاضي ، فزوجها منه ، وابتنى بها ، وتوفي عنها . وتزوج الخليفة المقتدي بأمر اللّه أمير المؤمنين بابنة السلطان المذكور ، وكان في الخطبة الشيخ أبو إسحاق الشيرازي صاحب « التنبيه » و « المهذب » رحمهم اللّه ، فأنفذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب ؛ فإن السلطان كان هناك ، فلما وصل إليه . . أدى الرسالة ، ونجز الشغل ، وعاد إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر ، وناظر إمام الحرمين بنيسابور ، فلما أراد الانصراف من نيسابور . . خرج إمام الحرمين لوداعه ، وأخذ بركابه حتى ركب الشيخ أبو إسحاق ، وظهر للشيخ في خراسان منزلة عظيمة ، وكانوا يأخذون التراب الذي وطئته بغلته ، فيتبركون به . وزفت ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربع مائة ، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم كان فيه أربعون ألف منّ سكّرا . وفي بقية هذه السنة ظهر للخليفة ولد من ابنة السلطان سماه : أبا الفضل جعفرا ، زينت بغداد لأجله . وكان السلطان قد دخل بغداد دفعتين ، فهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته ، وليس للخليفة فيها سوى الاسم ، وخرج منها في الدفعة الثانية على الفور إلى نحو دجيل لأجل الصيد ، فاصطاد وحشا ، وأكل من لحمه ، فابتدأت به العلة ، وافتصد ، فلم يكثر من إخراج الدم ، فعاد إلى بغداد مريضا .