ابن أبي مخرمة
503
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
2049 - [ المكرم الصليحي ] « 1 » المكرم أبو علي أحمد بن علي بن محمد الصليحي الهمداني ، سلطان اليمن . كان ملكا ضخما ، شجاعا شهما ، جوادا هماما ، فارسا مقداما ، وأمه أسماء بنت شهاب الصليحية . قتل أبوه في ناحية المهجم كما تقدم في العشرين الثالثة من هذه المائة « 2 » ، وكان المكرم بصنعاء لم يحضر الوقعة ، وأسرت والدته ، فأقامت في الأسر سنة ، ثم كتبت إلى ابنها المكرم تستنجده ، فوصل إلى زبيد في ثلاثة آلاف فارس ، وخرج إليه من زبيد سعيد الأحول في عشرين ألف حربة ، فقاتلت الحبشة ساعة من نهار ، ثم انهزمت هزيمة شنيعة ، وطحنتها الخيل ، وقتل أكثرهم ، ونجا سعيد الأحول على خيل مضمرة قد أعدها بباب النخل من زبيد ، فركب عليها فيمن سلم من أهل بيته وخواصه ، وسار إلى البحر وقد أعدت له سفن هناك ، فركبها من فوره إلى دهلك ، ثم دخلت العرب زبيد ، فكان أول فارس وقف على طاق أسماء بنت شهاب ابنها المكرم ، فسلم ، فقالت : من أنت ؟ قال : أنا أحمد بن علي ، فقالت : إن أحمد بن علي كثير في العرب ، فرفع المغفر عن وجهه ، فعرفته ، فقالت : مرحبا بمولانا المكرم ، فأصابه حينئذ ريح ارتعش لها ، واختلجت بشرة وجهه ، فعاش بقية عمره على هذا الحال ، فأقام في زبيد أياما مهد قواعد البلاد ، ثم سار بوالدته إلى صنعاء ، واستخلف بزبيد وسائر تهامة خاله أسعد بن شهاب الصليحي ، ولما رجع المكرم . . فوض الأمر إلى زوجته الحرة واسمها : سيدة بنت أحمد بن محمد بن جعفر بن موسى الصليحي ، فانفردت بالأمر في حياة المكرم وبعد وفاته ، وهي التي عملت الحيلة في قتل سعيد الأحول . وكان المكرم جوادا ممدحا ، مدحه جماعة من الشعراء ، وأجازهم الجوائز السنية ، وللأديب الحسن بن علي ألقم فيه غرر المدائح . توفي بصنعاء ، وقيل : في بيت بوس ، وقيل : في حصن أشيح في سنة أربع وثمانين وأربع مائة كما قاله الجندي « 3 » ، أو في سنة ثمانين ، وقيل : إحدى وثمانين كما قاله ابن سمرة « 4 » ، واللّه سبحانه أعلم .
--> ( 1 ) « طبقات فقهاء اليمن » ( ص 122 ) ، و « السلوك » ( 2 / 488 ) ، و « طراز أعلام الزمن » ( 1 / 127 ) ، و « تحفة الزمن » ( 2 / 452 ) ، و « تاريخ ثغر عدن » ( 2 / 7 ) . ( 2 ) انظر ( 3 / 426 ) . ( 3 ) « السلوك » ( 2 / 491 ) . ( 4 ) « طبقات فقهاء اليمن » ( ص 122 ) .