ابن أبي مخرمة
191
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وله في المعز غرر القصائد ، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولها : [ من الكامل ] هل من أعقّة عالج يبرين * أم منهما بقر الحدوج العين « 1 » ولمن ليال ما ذممنا عهدها * مذ كنّ إلا أنهن شجون المشرقات كأنهن كواكب * والناعمات كأنهن غصون أدمى لها المرجان صفحة خدّه * وبكى عليها اللؤلؤ المكنون « 2 » يقال : إن أبا العلاء المعري كان إذا سمع شعره . . قال : ما أشبّهه إلا برحى تطحن قرونا ؛ لأجل القعقعة في ألفاظه ، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ . قال ابن خلكان : ( ولعمري ؛ ما أنصفه في هذا المقال ، وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي ، قال : وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم ، وديوانه كبير ، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر . . لكان من أحسن الدواوين ، وليس في متقدمي المغاربة ولا متأخريهم من هو في طبقته ، بل هو أشعرهم على الإطلاق ، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة ، وكانا متعاصرين ) « 3 » . يحكى أن المتنبي وصل إلى قابس ؛ ليمدح صاحبها ، فخيم بإزاء قصر صاحب قابس ، وهو في زي أمير في الحشمة والغلمان والخدم والخيل والأتباع والحشم ، ففزع صاحب قابس من ذلك وسأل عنه ، فلما قيل له : إنه شاعر أتى ليمدحك . . كره ذلك وقال : بأي شيء يرضى صاحب هذه الهيئة ويقنعه من الجائزة ؟ فقال شاعره : أنا أرده عنك - قال ابن خلكان : وغالب ظني أنهم قالوا : إنه ابن هاني المذكور - فقال له : بأي وجه ترده عني ؟ فقال : بوجه جميل ، فقال : افعل ، فأخذ شاة رديئة ، ولبس لباس بدوي ، وجعل يقود الشاة متوجها إلى جهة منزل المتنبي وهو في مخيم كأنه مخيم أمير ، فلما قرب منه . . قال : طرقوا لي إلى الأمير ، فضحكوا عليه وتعجبوا منه ، فلما وصل إليه وهو يقود الشاة في تلك الهيئة التي اتصف بها هو وشاته . . ضحك منه هو ومن حوله وقال له : ما هذه الشاة ؟ قال :
--> ( 1 ) في هامش ( ت ) : ( أعقة : جمع عقيق ، وهو الوادي . ويبرين : رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة ، أو قرية قريب حلب ، والمراد هنا الأول ، وقد يقال بالرفع : يبرون . الحدوج : جمع حدج بالكسر ، وهو مركب النساء ) . ( 2 ) انظر « ديوان ابن هاني الأندلسي » ( ص 350 ) . ( 3 ) « وفيات الأعيان » ( 4 / 424 ) .