ابن أبي مخرمة

14

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

اعلما أن الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ، وكل أمر يكون مبدؤه من قبل اليمن فهو ثابت ؛ لثبوت نجمه ، وقد رأيت أن تخرجا إلى اليمن ، وتدعوا أهله إلى ولدي عبيد اللّه ؛ فإنه سيكون لكما به شأن وسلطان ، ثم عاهد بينهما وأوصى كلّا منهما بالآخر ، فسارا إلى اليمن في البحر ، ثم افترقا من غلافقة ، فقصد منصور عدن لاعة ، وقصد علي بن الفضل شرق يافع ، وأقام كل واحد منهما في ناحية يظهر من الزهد والورع والتقشف والصلاح ما يفتتن به من رآه ، حتى صار كل واحد منهما مسموع القول في ناحيته ، ثم أمر كل واحد منهما أهل ناحيته بجمع زكاتهم ، حتى اجتمع لكل واحد منهما مال عظيم . وأقام علي بن الفضل متخليا بزعمه للعبادة في رأس جبل من حدود أبين أهله يافع ، وكانوا رعاعا ، فجعل يريهم أنه يصوم النهار ، ويقوم الليل ، وإذا أتوه بطعام . . لم يأكل منه ، وإن أكل منه . . فشئ يسير ، فأحبوه واعتقدوا فيه ، وسألوه أن يكون مسكنه بينهم ، فقال : لا ، إلا أن تأمروا بالمعروف ، وتنهوا عن المنكر ، وتجتنبوا المعاصي ، وتقبلوا على طاعة اللّه ، فأجابوه إلى ذلك ، وأخذ عليهم العهد والميثاق بالطاعة ، وأمرهم ببناء حصن في ناحية بلادهم ، وأنهبهم أموال أطراف البلاد ، وأراهم أن ذلك جهاد للعاصين . وكان أبين ولحج مالكها ابن أبي العلاء من الأصابح ، فغزاه علي بن الفضل بمن معه من يافع ، فهزمهم ابن أبي العلاء ، وقتل طائفة من أصحاب علي بن الفضل ، وانهزم ابن الفضل وبقية أصحابه إلى صهيب ، ثم قال لأصحابه : اعلموا أن القوم قد أمنوا منا ، وأرى أن نهجم عليهم ؛ فإنا نظفر بهم ، فوافقوه على ذلك ، فلم يشعر ابن أبي العلاء إلا وهم معه بخنفر على حين غفلة ، فقتل ابن أبي العلاء وطائفة من عسكره ، واستباح ما كان لهم ، فوجد في خزانة ابن أبي العلاء سبع مائة ألف درهم . وعاد إلى بلد يافع ، فعظم شأنه ، وشاع ذكره ، ثم قصد المذيخرة وبها يومئذ جعفر بن إبراهيم المناخي وهو الذي ينتسب إليه مخلاف جعفر ، فجمع له المناخي جموعه ، والتقوا بنقيل البردان في رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين ، فانهزم علي بن الفضل ، وعاد إلى بلاد يافع ، ثم قصد المذيخرة مرة أخرى في صفر من سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فانهزم جعفر المناخي إلى تهامة ، فأمده صاحبها إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد بجيش كثيف ، فالتقى هو وعلي بن الفضل بوادي نخلة ، فقتل جعفر بن إبراهيم وأصحابه آخر يوم من رجب كما تقدم ، فاستولى علي بن الفضل على بلاد المناخي ، وجعل المذيخرة مستقر ملكه ، وقويت شوكة القرامطة .