ابن أبي مخرمة

130

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

1552 - [ المنصور العبيدي ] « 1 » أبو طاهر المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي الباطني صاحب المغرب . كان شجاعا فصيحا مفوها ، يرتجل الخطب . خرج في أيام أبيه مخلد الإباضي ، فاستولى على ممالك بني عبيد وقمعهم ، حتى حصر القائم في المهدية ، فمات القائم في الحصار ، وأخفى ولده المنصور موته ، واستعد لمحاربة مخلد الإباضي حتى أزاحه ، ثم لم يزل يستقلع منه ما استولى عليه من البلدان والحصون وغيرها حتى لم يبق في يد الإباضي شيئا منها ، ثم أسره المنصور ، وقتله وسلخه وحشا جلده قطنا . أصابه مرة مطر نزل فيه برد كثير ، وهبت ريح شديدة ، فأوهن ذلك جسمه ، واشتد عليه البرد ، ومات أكثر من معه ، وأراد أن يدخل الحمام ، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي فلم يقبل منه ، ودخل الحمام ، ففنيت الحرارة الغريزية منه ، ولازمه السهر ، وأخذ إسحاق يعالجه ، والسهر باق على حاله ، فاشتد ذلك عليه ، فقال لبعض الخدم : أما بالقيروان طبيب يخلصني من هذا ؟ قالوا : هنا شاب قد نشأ يقال له : إبراهيم ، فأمر بإحضاره ، فحضر ، فعرفه حاله ، وشكى ما به ، فجمع له أشياء منومة ، وجعلت في قنينة على النار ، وكلفه شمها ، فلما أدمن شمها . . نام ، وخرج إبراهيم مسرورا بما فعل ، وجاء إسحاق ليدخل عليه فقالوا : هو نائم ، فقال : إن كان قد صنع له شيئا ينام به . . فقد مات ، فدخلوا عليه ، فوجدوه قد مات ، فأخذوا إبراهيم ، فقال إسحاق : ما له ذنب ، إنما داواه بما ذكره الأطباء ، غير أنه جهل أصل المرض ، وما عرفتموه ، وذلك أني كنت أعالجه وانظر في تقوية الحرارة الغريزية وبها يكون النوم ، فلما عولج بما يطفئها . . علمت أنه قد مات . توفي المذكور في سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة ، ثم دفن بالمهدية .

--> ( 1 ) « الكامل في التاريخ » ( 7 / 198 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 1 / 234 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 25 / 241 ) ، و « العبر » ( 2 / 263 ) ، و « مرآة الجنان » ( 2 / 333 ) ، و « البداية والنهاية » ( 11 / 268 ) .