ابن أبي مخرمة

123

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

شيرزاد ، واختفى الخليفة المستكفي ، وتسللت الأتراك إلى الموصل ، فأقامت الديلم ببغداد ، ونزل أبو الحسين أحمد بن بويه المذكور بباب الشماسية ، فقدّم إليه الخليفة التقاديم والتحف ، ثم دخل ابن بويه إلى خدمة الخليفة وبايعه ، فلقبه يومئذ : معز الدولة ، ولقب أخاه الحسن : ركن الدولة ، وأخاه عليا : عماد الدولة ، وأمر أن تكتب ألقابهم على الدنانير والدراهم ، واستوسقت المملكة لمعز الدولة ، فلما تمكن . . كحل المستكفي باللّه ، وخلعه من الخلافة ، وذلك أن علما القهرمانة - وهي كانت السبب في ولاية المستكفي - عملت دعوة عظيمة حضرها مقدم الديلم وعدة أمراء ، فخاف معز الدولة من غائلتها ؛ لأنها قد عرفت بالشهامة والتدبير ونقل الملك ، وكان بعض الشيعة أيضا يثير الفتن ببغداد ، فآذاه الخليفة المستكفي ، وكان معز الدولة متشيعا ، فلما كان في جمادى الآخرة . . دخل الأمراء إلى الخليفة ، ودخل معز الدولة ، فتقدم اثنان وطلبا من الخليفة المستكفي رزقهما ، فمد لهما يده ليقبلاها ، فجذباه إلى الأرض وسحباه ، فوقعت الصيحة ، ونهبت دار الخلافة ، وقبضوا على علم القهرمانة ، وعلى خواص الخليفة ، وساقوا المستكفي ماشيا ، وسملوه ، وهو ثالث الخلفاء المسمولين ، أولهم القاهر ، ثم المتقي ، ثم المستكفي ، ثم أحضر معز الدولة أبا القاسم الفضل بن المقتدر ، فبايعه ، ولقبه المطيع للّه ، وقرر له معز الدولة كل يوم مائة دينار ، وانحط دست الخلافة إلى هذه المنزلة ، فلم يصر بيد الخليفة من جميع الدنيا إلا هذا القدر للنفقة مع شدة الغلاء ؛ فإنهم في شعبان من هذه السنة كانوا ببغداد يأكلون الميتات والآدميين ، ومات الناس على الطرق ، ولم يوجد من يدفنهم ، وبيعت الدور برغفان ، واشترى المطيع كر دقيق بعشرة آلاف درهم . قال الشيخ اليافعي : ( والكر على ما قيل : ستة آلاف رطل بغدادي ، فعلى هذا يكون قيمة كل رطل درهم وثلثي درهم ، وهذا الغلاء وإن كان شديدا . . فقد وقع بمكة ما هو أشد منه ، بلغ ثمن الرطل الدقيق نحو درهمين في سنة ست وستين وسبع مائة « 1 » ، وبلغ في الزمن القديم على ما أخبرني من أثق به من شيوخ المجاورين فوق أربعة دراهم ، وقع ذلك في زمانه ، وبلغ في تهامة اليمن نحو هذا المبلغ قبيل التاريخ المذكور ، وقبل ابتداء إنشاء تاريخي هذا بسنة ) انتهى كلام الشيخ اليافعي « 2 » .

--> ( 1 ) في « مرآة الجنان » ( 2 / 314 ) : ( في سنة ست وسبع مائة ) . ( 2 ) « مرآة الجنان » ( 2 / 313 ) .