ابن أبي مخرمة

107

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وكشف سرها ، وقرب تناولها وجميع ما يحتاج إليه منها على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة [ التحليل وأنحاء ] « 1 » التعاليم ، وأوضح الغفل فيها عن مواد المنطق الخمسة ، وعرف طرق استعمالها ، وكيف تصرّف صورة القياس في كل مادة ، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكاملة ، والنهاية الفاضلة ) ا ه « 2 » قال ابن خلكان : ( لم يزل أبو نصر ببغداد مكبا على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز - أو قال : برع - فيه وفاق أهل زمانه ، قال : ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف ، فأدخل عليه وهو بزي الأتراك ، وكان ذلك دأبه دائما ، فوقف . . فقال له سيف الدولة : اقعد ، فقال : حيث أنا أم حيث أنت ، فقال : حيث أنت ، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة ، وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدولة مماليك ، وله معهم لسان خاص يساررهم به قلّ من يعرفه ، فقال لهم بذلك اللسان : إن هذا الشيخ قد أساء الأدب ، وإني سائله عن أشياء إن لم يوف بها . . فاخرقوا به ، فقال له أبو نصر بذلك اللسان : أيها الأمير ؛ اصبر ، فإن الأمور بعواقبها ، فتعجب سيف الدولة وقال له : أتحسن هذه اللسان ؟ ! فقال : نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا ، فعظم عنده ، ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن ، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله ، وصرفهم سيف الدولة وخلا به ، فقال : هل لك أن تأكل ؟ قال : لا ، قال : فهل تشرب ؟ قال : لا ، قال : فهل تسمع ؟ قال : نعم ، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان ، فحضر كل من هو من أهل هذه الصناعة بأنواع الملاهي ، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له : أخطأت ، فقال له سيف الدولة : هل تحسن في هذه الصناعة شيئا ؟ فقال : نعم ، ثم أخرج من وسطه خريطة وفتحها وأخرج منها عيدانا ، ثم ضرب بها ، فضحك كل من في المجلس ، وغيّر تركيبها وضرب بها ، فبكى كل من في المجلس ، ثم فكها وركبها تركيبا آخر وضرب بها ، فنام كل من في المجلس حتى البواب ، فتركهم نياما وخرج . ويقال : إن الآلة المسماة بالقانون من وضعه ، وهو أول من ركبها هذا التركيب ، وكان

--> ( 1 ) الزيادة من « وفيات الأعيان » ( 5 / 154 ) . ( 2 ) « وفيات الأعيان » ( 5 / 154 ) .