ابن أبي مخرمة
86
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وكان خالد جوادا أيضا ، يحكى : أنه دخل عليه شاعر يوم جلوسه للشعراء ، وكان قد مدحه ببيتين ، فلما رأى اتساع الشعراء في قولهم . . استصغر قوله فسكت حتى انصرفوا ، فقال خالد : ما حاجتك ؟ قال : مدحت الأمير ببيتين ، فلما سمعت قول الشعراء . . احتقرت بيتي ، قال : وما هما ؟ فأنشده : [ من الطويل ] تبرعت لي بالجود حتى نعشتني * وأعطيتني حتى حسبتك تلعب فأنت الندى وابن الندى وأبو الن * دى حليف الندى ما للندى عنك مذهب فقال له : حاجتك ؟ قال : عليّ دين ، فأمر له بقضائه ، وأعطاه مثله . وذكر الطبري في « تاريخه » : ( أن هشام بن عبد الملك كتب إلى خالد : بلغني أن رجلا قام إليك فقال : إن اللّه جواد وأنت جواد ، وإن اللّه كريم وأنت كريم إلى أن عد عشر خصال ، فو اللّه ؛ لئن لم تخرج من هذا . . لأستحلن دمك ، فكتب إليه خالد : نعم يا أمير المؤمنين ؛ قام إلي فلان وقال : إن اللّه كريم يحب الكريم ، فأنا أحبك بحب اللّه إياك ، ولكن أشد من هذا قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين فقال : خليفتك أحب إليك أم رسولك ؟ فقال : بل خليفتي ، قال : أنت خليفة اللّه ومحمد رسول اللّه ، واللّه ؛ لقتل رجل من بجيلة أهون على العامة والخاصة من كفر أمير المؤمنين ) « 1 » . ثم إن هشاما عزل خالدا عن العراقين ، وولى يوسف بن عمر ابن ابن عم الحجاج بن يوسف مكانه ، وأمر بمحاسبة خالد وعماله ، فحبس خالدا وعذبه بالحيرة منزل النعمان بن المنذر أحد ملوك العرب على فرسخ من الكوفة ، يقال : إنه وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفتا ، ثم إلى وركيه ، ثم إلى صلبه ، فلما انقصف صلبه . . مات ، وهو مع ذلك لا يتأوه ولا ينطق ، وكان يوسف بن عمر الثقفي قد جعل على خالد كل يوم حمل قدر معلوم من الدراهم ، إن لم يقم به ذلك اليوم . . عذبه ، وكان قد حصل من قسط يوم من الأيام سبعين ألف درهم ، فدخل عليه أبو الأشعث العبسي إلى السجن وأنشده : [ من الطويل ] ألا إن خير الناس حيا وميتا * أسير ثقيف عندهم في السلاسل لعمري لقد عمرتم السجن خالدا * وأوطأتموه وطأة المتثاقل لقد كان نهّاضا بكل ملمة * ومعطي اللّها غمرا كثير النوافل وقد كان يبني المكرمات لقومه * ويعطي اللّها في كل حق وباطل
--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 7 / 257 ) .