ابن أبي مخرمة

79

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

فقال له بعض الحاضرين : يا جحش العرب ؛ بلغ من فضولك أن خاطبت أمير المؤمنين كلمة بكلمة ، فقال : رمتك الجندل ولأمك الهبل ، أما سمعت قول اللّه عزّ وجل في كتابه المنزل على نبيه المرسل : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها فإذا كان اللّه تعالى يجادل جدالا فمن هشام حتى لا يخاطب خطابا ؟ ! فأمر هشام بضرب عنقه ، فضحك الصبي ، فقال له هشام : أنت في الممات وأنت تضحك ، أتهزأ بنا أم بنفسك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ؛ اسمع مني كلمتين وافعل ما بدا لك ، قال : قل فو اللّه ؛ إن هذا أول أوقاتك من الآخرة ، وآخر أوقاتك من الدنيا ، فقال : الصبي فو اللّه ؛ إن كان في المدة تقصير وفي الأجل تأخير . . لا يضرني من كلامك هذا لا قليل ولا كثير ، ولكن يا أمير المؤمنين ؛ أبيات من الشعر حضرتني فاسمعها مني ، قال : قل ، فقال الصبي : [ من الكامل ] نبئت أن الباز صادف مرة * عصفور بر ساقه المقدور فتكلم العصفور في أظفاره * والباز منهمك عليه يطير ما فيّ ما يغني لمثلك شبعة * ولئن أكلت فإنني لحقير فتعجب الباز المدل بنفسه * عجبا وأفلت ذلك العصفور فضحك هشام وقال : واللّه ؛ لو تلفظ بهذا الكلام في أول أوقاته وطلب ما دون الخلافة . . لأعطيته ، يا فلان ؛ احش فاه درا وجوهرا ، وأعطاه الجائزة والكسوة ، وسرحه إلى أهله مسرورا . ولما قارب هشام الوفاة . . أغلق الخزان الأبواب ، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله ، فما وجدوا حتى استعاروا من الجيران ، فقال الحاضرون : إن في هذا لمعتبرا لمعتبر . وقيل : إنه أغمي عليه ، ثم أفاق إفاقة التمس فيها من الخزان شيئا ، فحيل دونه ، فقال : أرانا كنا خزانا للوليد ، ثم قضى فكفنه غالب مولاه . 595 - [ سعيد المقبري ] « 1 » سعيد بن أبي سعيد - واسم أبي سعيد : كيسان - المدني المعروف بالمقبري لسكناه المقبرة ، وأبو سعيد مولى بني ليث .

--> ( 1 ) « طبقات ابن سعد » ( 7 / 424 ) ، و « تهذيب الأسماء واللغات » ( 1 / 219 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 5 / 216 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 8 / 116 ) ، و « مرآة الجنان » ( 1 / 263 ) ، و « تهذيب التهذيب » ( 2 / 22 ) .