ابن أبي مخرمة
662
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
أخرى ، فقال : هذا شيء آخر ، فأعده علي ، فأعاده لا بتينك العبارتين ، فقال : ما يمكننا حفظ ما تقول ، فأمله علينا ، فقال : لو كنت أجريه . . كنت أمليه ، فاعترف بفضله وعلو شأنه ) « 1 » . وعن بعض مشايخ الصوفية أنه قال : قال الكعبي من كبار أئمة المعتزلة : رأيت لكم شيخا ببغداد يقال له الجنيد ، ما رأت عيني مثله ، كان الكتبة يحضرونه لألفاظه ، والفلاسفة لرقة كلامه ، والشعراء لفصاحته ، والمتكلمون لمعانيه ، وكلامه ناء عن فهمهم . وعن الأستاذ أبي القاسم الجنيد أنه قال : دخلت الكوفة في بعض أسفاري ، فرأيت دارا لبعض الرؤساء وقد شف عليها النعيم ، وعلى بابها عبيد وغلمان ، وفي بعض رواشنها جارية تغني وتقول : [ من الوافر ] ألا يا دار لا يدخلك حزن * ولا يعبث بصاحبك الزمان فنعم الدار أنت لكل ضيف * إذا ما الضيف أعوزه المكان قال : ثم مررت بعد مدة ؛ فإذا الباب مسود ، والجمع مبدد ، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان ، وأنشد لسان الحال : [ من الكامل ] ذهبت محاسنها وبان شجونها * فالدهر لا يبقي مكانا سالما فاستبدلت من أنسها بتوحش * ومن السرور بها عزاء راغما قال : فسألت عن خبرها ، فقيل لي : مات صاحبها ، فآل أمرها إلى ما ترى ، فقرعت الباب الذي كان لا يقرع ، فكلمتني جارية بكلام ضعيف ، فقلت لها : يا جارية ؛ أين بهجة هذا المكان وأنواره ، وشموسه وأقماره ، وقصاده وزواره ؟ ! فبكت ، ثم قالت : يا شيخ ؛ كانوا فيه على سبيل العارية ، ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار ، وهذه عادة الدنيا : ترحل من سكن فيها ، وتسيء إلى من أحسن إليها ، فقلت لها : يا جارية ؛ مررت بها في بعض الأعوام وفي هذا الروشن جارية تغني : ألا يا دار لا يدخلك حزن فبكت ، وقالت : أنا - واللّه - تلك الجارية ، ولم يبق من أهل هذه الدار أحد غيري ، فالويل لمن غرته دنياه ، فقلت لها : كيف قربك القرار في هذا الموضع الخراب ؟ ! فقالت
--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 2 / 233 ) .