ابن أبي مخرمة

655

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

بفتح الجيم « 1 » ، ويعني به الأبيض ، ويطلق الجون على الأسود أيضا ، وهو من باب الأضداد . وكان يقول : لو قيل : ما أحسن شعر تعرفه ؟ لقلت : قول العباس بن الأحنف : [ من البسيط ] قد سحب الناس أذيال الظنون بنا * وفرق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالظن غيركم * وصادق ليس يدري أنه صدقا ولما توفي المكتفي في ذي القعدة من سنة خمس وتسعين ومائتين ، ولم يعهد إلى أحد ، وكان وزيره العباس بن الحسن مستوليا على الأمر . . استشار الناس فيمن يعقد له الخلافة ، فأكثرهم أشار عليه بعبد اللّه بن المعتز ؛ لفضله وعلمه ونسبه ، إلا أبا الحسن بن الفرات ، فأشار عليه بجعفر بن المعتضد الملقب بالمقتدر ، فقال له الوزير : إنه صبي ! فقال له ابن الفرات : وإن كان ؛ فإنه ابن المعتضد ، فاتق اللّه ولا تنصب في هذا الأمر من قد عرف ضيعة هذا ، وولد هذا ، وبستان هذا ، وبلد هذا ، ولقي الناس ولقوه ، فترجح للوزير رأي ابن الفرات ، فعقدها لجعفر المقتدر ، ولما كان اختيار ابن الفرات ذلك لغير اللّه . . كان هلاكه وهلاك ولده وانقراض بنيه على يد من اختار . ثم إنه كثر كلام الناس في خلافة المقتدر ؛ لصغره ، فاتفق طائفة على خلعه ونصب ابن المعتز ، وخاطبوه بذلك فقال : بشرط ألّا يكون فيها حرب ، فلما كان أول سنة ست وتسعين . . خرج المقتدر إلى الميدان يلعب بالصولجان ، وركب لركوبه الأمير فاتك ، والوزير العباس بن الحسن ، والأمراء ، فشد الحسين بن حمدان على الوزير فقتله ، فأنكر عليه الأمير فاتك قتله ، فألحقه به ، ثم سار إلى المقتدر ليثلث به ، وسمع المقتدر الهيعة عند قتل الوزير وهو يلعب بالصولجان ، فدخل الدار وأغلقت الأبواب ، ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وهب ، وحضر الأمراء والقضاة سوى خواص المقتدر ، واستدعي ابن المعتز ، فبايعوه ، ولقبوه الغالب باللّه ، وقيل : الراضي ، وقيل : المرتضي ، فاستوزر محمد بن داود بن الجراح ، واستحجب يمن الخادم ، ونفذت الكتب الخلافية إلى البلاد ، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحول من دار الخلافة ، ولم يكن معه غير مؤنس الخادم ، ومؤنس الخازن ، وخاله الأمير في جمع قليل ، فنزلوا على حميّة ، وقصدوا ابن المعتز ، وألقى اللّه الرعب في قلوب أصحاب ابن المعتز ، فخرج إلى سر من رأى ليثبت بها أمره ، فلم يتبعه كثير أحد ،

--> ( 1 ) يعني في المفرد ، أما في البيت . . فهي بضم الجيم ؛ لأنها جمع .