ابن أبي مخرمة

630

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

فلما وصلت الرقعة للبحتري . . رد الدنانير ، وكتب إليه : [ من الخفيف ] بأبي أنت أنت للبر أهل * والمساعي بعد وسعيك قبل والنوال القليل يكثر إن شا * ء مرجّيك والكثير يقلّ غير أني رددت برّك إذ كا * ن ربا منك والرّبا لا يحلّ فإذا ما جزيت شعرا بشعري * قضي الحقّ والدنانير فضل فلما عادت الدنانير إليه . . حلّ الصرة ، وضم إليها خمسين أخرى ، وحلف أنه يردها إليه ، فلما وصلت إلى البحتري . . أنشأ يقول : [ من الطويل ] شكرتك إن الشكر للعبد نعمة * ومن يشكر المعروف فاللّه زائده لكلّ زمان واحد يقتدى به * وهذا زمان أنت لا شكّ واحده يقال : إن الشيخ محي الدين النووي أرسل بهذين البيتين إلى الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمهما اللّه تعالى لما بلغه أنه قيل لابن دقيق العيد : لم لا تصنف في الفقه ؟ فقال : قد صنف الشيخ محي الدين النووي ما فيه كفاية . ويحكى أن الإمام الغزالي قيل له : لم لا تصنف في التفسير ؟ فقال : يكفي ما صنف فيه شيخنا الإمام أبو الحسن الواحدي رحمهما اللّه . ويحكى أن البحتري اجتاز بالموصل أو برأس عين ، فمرض ، وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه ، فوصف له يوما مزورة « 1 » ، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه ، فقال للغلام : اصنع هذه المزورة ، وكان بعض الرؤساء حاضرا عنده وقد جاء يعوده ، فقال ذلك الرئيس : هذا الغلام ما يحسن طبيخها ، وعندي طباخ من نعته وصفته ، وبالغ في حسن صفته ، فترك الغلام عملها اعتمادا على قوله ، وقعد البحتري ينتظر ، واشتغل الرئيس عنها ، ونسي أمرها ، فلما أبطأت عليه ، وفات وقت وصولها إليه . . كتب إلى الرئيس : [ من البسيط ] وجدت وعدك زورا في مزورة * حلفت مجتهدا إحكام طاهيها فلا شفى اللّه من يرجو الشفاء بها * ولا علت كفّ ملق كفّه فيها فاحبس رسولك عني أن جيء بها * فقد حبست رسولي عن تقاضيها وللبحتري أشعار كثيرة .

--> ( 1 ) المزورة : حساء بدون لحم يصنع للمريض .