ابن أبي مخرمة
591
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ثم دخل الزنج البصرة في شوال من السنة المذكورة ، وخربوا جامعها ، وقتلوا بها اثني عشر ألفا ، قتلوا الرجال والنساء والصبيان وسبوهم ، ثم نادوا بالأمان حتى ظهر من اختفى فقتلوهم ، وأحرقوا الكلأ من الجبل إلى الجسر ، وأخذت النار كل شيء مرت عليه من إنسان وبهيمة ومتاع ، وألحوا في القتل حتى لم يروا أحدا ، ولم يزل أمر الخبيث يستفحل ، والخطب يتعاظم ، والأمور به تتفاقم إلى أن قتله اللّه على يدي أبي أحمد الموفق في سنة سبعين ومائتين بعد حروب طويلة هائلة وقعت بينهما ، قد ذكرناها في مواضعها . وكان خارجيا بغيضا ، يسب عثمان وعليا ومعاوية وعائشة رضي اللّه عنهم ، بل قيل : كان زنديقا يتستر بمذهب الخوارج . 1298 - [ أحمد بن طولون ] « 1 » أحمد بن طولون بضم الطاء المهملة واللام وبعد الطاء واللام واوان ساكنتان وآخره نون ، وهو اسم تركي . كان أبوه طولون من مماليك المأمون ، وكان أحمد المذكور كريما جوادا شجاعا مهيبا لبيبا ، ولاه المعتز باللّه مصر ، ثم استولى على دمشق والشام أجمع وأنطاكية والثغور في مدة اشتغال الموفق بن المتوكل ، وكان نائبا عن أخيه المعتمد بن المتوكل . كان ابن طولون حسن السيرة ، نافذ البصيرة ، يباشر الأمور بنفسه ويعمر البلاد ، ويتفقد أحوال الرعايا ويصلح الفساد ، ويحب أهل العلم ويحسن فيهم الاعتقاد ، وكان يحفظ القرآن الكريم ويكثر تلاوته مع حسن صوته ، وكان له كل يوم مائدة يحضرها الخاص والعام ، ويتصدق في كل شهر بألف دينار ، فقال له وكيله : تأتيني المرأة وعليها الإزار وفي يدها خاتم الذهب فتطلب مني أفأعطيها ؟ قال : من مد يده إليك . . فأعطه . وبنى الجامع المنسوب إليه بين القاهرة ومصر . قال القضاعي : وكان مع ذلك طائش السيف ، أحصي من قتله صبرا ومن مات في سجنه فكانوا ثمانية عشر ألفا . وتوفي سنة سبعين ومائتين .
--> ( 1 ) « المنتظم » ( 7 / 187 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 1 / 173 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 13 / 94 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 20 / 46 ) ، و « الوافي بالوفيات » ( 6 / 430 ) ، و « مرآة الجنان » ( 2 / 182 ) ، و « شذرات الذهب » ( 3 / 295 ) .