ابن أبي مخرمة

541

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وكان الفتح بن خاقان قد علم بما تمالأ عليه المنتصر وجماعته من قتل المتوكل من سعاية بعض نساء الأتراك بهم ، فكتم المتوكل الخبر ؛ لئلا يفسد عليه سروره ، وليمضي اللّه فيه مقدوره ، ولم يظنهم يقدمون على ذلك ، فلما قتل المتوكل . . أمر المنتصر بغلق الأبواب كلها ، وأمر وصيفا بإحضار المعتز والمؤيد ، وكان المتوكل جعلهما وليي عهده بعد المنتصر ، فأرسل إليهما عن المتوكل فأحضرا ، وكان الوزير عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان لما سمع الواقعة . . اجتمع عنده من الجيش نحو عشرة آلاف وقالوا : مرنا بأمرك حتى نميل إلى الأتراك والمنتصر ، فقال : لا حيلة في ذلك والرجل في أيديهم - يعني المعتز - فسلموا الأمر للمنتصر وبايعوه . 1226 - [ الخليفة المنتصر باللّه ] « 1 » الخليفة المنتصر باللّه أبو جعفر محمد بن المتوكل على اللّه بن المعتصم باللّه بن هارون الرشيد العباسي . بويع له بالجعفرية في الليلة التي قتل فيها أبوه ، ثم انتقل إلى الجوسق بسرّمن‌رأى ، وتوفي في ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومائتين ، قيل : أصابته الذبحة ، وقيل : إن أمراء الأتراك خافوه ، فلما حمّ . . دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار ، ففصده بريشة مسمومة ، وقيل : سم في كمثرى ، وقيل : إن طبيبه لما فصده . . دهش فلم يميز مبضعه المسموم من غيره ، وقيل : بل وجد علة في رأسه ، فقطر طبيبه ابن طيفور في أذنه دهنا ، فورم رأسه ، فعولج فمات . يقال : إنه رأى أباه في النوم يقول له : يا محمد ؛ قتلتني وظلمتني ، واللّه ؛ لا تمتعت بالخلافة إلا أياما قلائل ، ثم مصيرك إلى النار ، فانتبه وهو لا يملك عينيه ولا جزعه ، وما زال منكسرا إلى أن توفي في سنة ثمان وأربعين ومائتين . ويحكى أنه قال لأمه : يا أماه ؛ ذهبت عني الدنيا والآخرة ، عاجلت أبي فعوجلت ، فمدة ولايته ستة أشهر ، وعمره خمس وعشرون سنة ونصف .

--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 9 / 251 ) ، و « المنتظم » ( 7 / 26 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 6 / 186 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 12 / 42 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 18 / 416 ) ، و « مرآة الجنان » ( 2 / 154 ) ، و « البداية والنهاية » ( 10 / 806 ) ، و « تاريخ الخلفاء » ( ص 420 ) ، و « النجوم الزاهرة » ( 2 / 327 ) ، و « شذرات الذهب » ( 3 / 224 ) .