ابن أبي مخرمة

513

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

السنة الرابعة والثلاثون بعد المائتين فيها : نهى المتوكل عن الكلام في القرآن ، وأطلق من كان في الحبوس لأجله ، وأحضر جماعة من المحدثين إلى العسكر ، وأجارهم وأمرهم بالجلوس وإملاء الحديث ، قيل : وسبب ذلك : أن ابن أبي دؤاد أحضر جماعة من الفقهاء والمحدثين إلى بين يدي المتوكل ، وسألهم عن القرآن أمخلوق هو ؟ وألزم القول بذلك ، وكان في المسؤولين شيخ مسن ، فقال لابن أبي دؤاد : هذا الذي تزعمه وتدعو الناس إليه ، هل علمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة أم جهلوه وعلمته أنت وأصحابك ؟ فقال ابن أبي دؤاد : بل علمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فقال له الشيخ : فهل ألزموا الناس القول بذلك كما ألزمتهم ؟ فلم يسع ابن أبي دؤاد أن يقول : نعم ألزموا الناس ذلك ؛ إذ فيه مكابرة للعيان ، فقال له الشيخ : أفلا يسعك ما يسعهم ؟ فقام المتوكل من المجلس وهو يقول : واللّه ؛ يسعني ما وسعهم ، بلى واللّه ؛ يسعني ما يسعهم ، ثم نهى الناس عن الخوض في ذلك كما تقدم ، فجزاه اللّه عن الإسلام وأهله خيرا « 1 » . وفيها : توفي الإمام الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب ، والحافظ أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني ، والحافظ أبو الحسن علي بن بحر القطان ، وحافظ الأندلس يحيى بن يحيى الليثي الإمام المالكي المعتمد عليه في رواية « الموطأ » عن الإمام مالك ، والشاذكوني ، والنفيلي ، وابن المديني ، وابن نمير ، ومحمد بن أبي بكر المقدمي ، والمعافى الرّسعني . * * * السنة الخامسة والثلاثون بعد المائتين فيها : اعتقل إيتاخ ببغداد ، وذلك : أنه حج في السنة التي قبلها ، ورجع من الحج في هذه السنة ، فأمر بدخول بغداد ليلقاه بنو هاشم والأكابر ، وإنما قصد أن يعتقل بها ؛ لأنه لو وصل سر من رأى . . لم يمكن منه ؛ لكثرة أصحابه ، فتلقاه صاحب شرطة بغداد إسحاق بن إبراهيم ببغداد ، وأنزله دار خزيمة بن خازم ، وتلطف في تفريق أصحابه ، ثم قبض عليه وعلى ولديه منصور والمظفر ، فأما إيتاخ . . فأطعم ومنع الماء حتى مات عطشا ، وأما ابناه . . فبقيا في الحبس حتى ولي المنتصر فأطلقهما « 2 » .

--> ( 1 ) « تاريخ بغداد » ( 3 / 147 ) ، و « الأنساب » ( 3 / 465 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 433 ) . ( 2 ) « تاريخ الطبري » ( 9 / 168 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 435 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 6 / 122 ) .