ابن أبي مخرمة
456
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
المأمون ، فانكسر إبراهيم مرة بعد أخرى ، ولما وصل المأمون إلى بغداد . . اختفى إبراهيم ، ولم يزل مختفيا سبع سنين ، وله في اختفائه حكايات عجيبة . منها : ما حكاه للمأمون بعد أن رضي عليه وسأله عما اتفق له في اختفائه فقال : من أعجب ما اتفق لي : أني ضجرت يوما من طول اختفائي في البيوت ، فخرجت نصف النهار في حال غفلة الناس وقيلولتهم ، وقد غيرت حالي حتى لا أعرف ، فمررت بجسر بغداد ؛ فإذا بتركي على فرس يتبعني ويقول : طلبة أمير المؤمنين ، وأراد أن يلزمني ، فدلقته عن الفرس حتى سقط إلى دجلة ، واشتغل الناس به ، وانغمست بينهم ، وسعيت حتى أبعدت ؛ فإذا أنا بدار ، فدققت الباب وقلت : هل لكم في إيواء خائف على نفسه من القتل ؟ فخرجت صاحبة الدار ، وأدخلتني الدار ، وسكنت روعي ، وطيبت خاطري ، فبينا نحن على ذلك ؛ إذ أقبل صاحب الدار وهو التركي الذي رميته في دجلة ، فدق الباب ، فأدخلتني في مخدع لها ، فدخل معصوب الرأس مما أصابه من الجراحة ، وهو يئن ويتأسف على ما فاته ، فقالت : ما نالك ؟ قال : فاتني الغنى أن وقع في يدي ، قالت : وما ذاك ؟ قال : ظفرت ببغية أمير المؤمنين ، وقد وقع في يدي ثم دلقني حتى سقطت من على فرسي في دجلة ، وهرب ، فأخذت تهون عليه الأمر وتقول له : لعل الخيرة لك في ذلك ، ولعلك لو قدمت به على أمير المؤمنين فقتله . . كنت مشاركا في دمه ، وإن عفا عنه ورضي عنه . . لم تأمنه أن يخبث عليك ، فينالك محذور ، فالحمد للّه الذي سلمك من ذلك ، حتى سكن حاله ، ثم قربت له ماء فاغتسل ، وقربت له طعاما فأكل ، وقربت له شرابا فشرب ، ثم نام ، فلما علمت أنه قد نام . . قالت : أأنت صاحبه ؟ قلت : نعم ، قالت : قد سمعت أسفه وحرده ، وإن يظفر بك . . لم تسلم منه ، فالمصلحة أن تخرج وهو نائم . فخرجت فمررت بحجام جالس على باب بيته ، فسلمت عليه ، فرد السلام ببشاشة ، فقلت : هل ثمّ مكان يؤويني إلى الليل ؟ قال : بالرحب والسعة ، وأدخلني إلى بيته ، ثم خرج وغاب عني ساعة ، ثم أتى بأوان جديدة من الخزف ؛ من قدر وكوز ونحو ذلك ، وقال : إن الملوك يستقذرون أوانينا ، وهذه أوان جديدة لم تمسها الأيدي لتستعملها فيما أردت ، ثم صنع طعاما طيبا بحضرتي ، ثم غرف منه في الأواني الجديدة وقربه إلي ، فعزمت عليه أن يجلس يأكل معي ، فأبى وقال : الحجامون لا يؤاكلون الملوك ، فقلت : ومن عندك من الملوك ؟ قال : أو لست بإبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس ؟ طب نفسا ، وقر عينا ، لو تمكث ههنا طول عمرك . . لم يعلم بك أحد ، وغرف لنفسه شيئا من الطعام ، وقعد يأكل