ابن أبي مخرمة

449

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

السنة الثامنة عشرة بعد المائتين فيها : امتحن المأمون العلماء بالقول بخلق القرآن ، فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم ، وأمره بامتحان الفقهاء والقضاة والمحدثين ، وأمره بإشخاص جماعة منهم إليه وهو بالرقة ، وبالغ في ذلك ، وقام في هذه البدعة قيام متعبّد بها ، وقال في آخر كتابه : من لم يرجع عن شركه . . يسفك دمه ، فأما بشر بن الوليد . . فابعث برأسه إلي ، وكذلك إبراهيم بن الحسن ، واحمل الباقين في قيود وأغلال ، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه ، وتوقف طائفة ، ثم أجابوا وناظروا ، فلم يلتفت إلى قولهم ، وعظمت المصيبة على ذلك ، وتهدد على ذلك بالقتل ، ولم يقف ويثبت من علماء العراق إلا أحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح ، فشدّا في الحديد ، ووجّها إلى المأمون ، قيل : وثبت معهما أيضا القواريري وسجادة ، فحملا معهما في الحديد إلى المأمون وهو بطرسوس ، وبلغ المأمون أن الذين أجابوا إلى القول بخلق القرآن تأوّلوا قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فقال : أخطئوا ، إنما هذه لمن كان معتقدا للإيمان مظهرا للشرك ، فأما من كان معتقدا للشرك مظهرا للإيمان . . فليست له ، ثم أمر بحملهم أجمعين مقيدين ، فحملوا نحو عشرين رجلا ، منهم بشر بن الوليد ، فلما بلغوا الرقة . . جاءهم الفرج بوفاة المأمون ، فردّوا إلى بغداد « 1 » . ولما توفي المأمون عهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم . وفيها : قوي أمر الخرّميّة بالجبال ، ودخل في دينهم خلق كثير من أهل همذان وأصفهان وماسبذان ، وتجمعوا ، وعسكروا في أعمال همذان ، فندب المعتصم لحربهم إسحاق بن إبراهيم أمير بغداد ، وعقد له على الجبال ، فالتقاهم بهمذان ، فكسرهم ، وقتل منهم ستين ألفا ، وقيل : مائة ألف ، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم « 2 » . وفيها : توفي أبو محمد عبد الملك بن هشام البصري الحميري اليمني المعافري - صاحب المغازي ، الذي هذب السيرة ولخصها - في شهر رجب من السنة المذكورة . وفيها : توفي بشر المريسي رأس الضلال ، الداعي إلى البدع القبيحة من القول بخلق

--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 8 / 631 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 267 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 5 / 572 ) . ( 2 ) « تاريخ الطبري » ( 8 / 667 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 278 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 6 / 6 ) .