ابن أبي مخرمة
421
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
نظره في دفتر ، إنما هي نظرة ، ثم قد حفظ ما فيه ، يعرّض بالأصمعي ، ثم قال الحسن : نعم يا أبا سعيد ، يجيء من هذا بما ينكر جدا ؟ فقال الأصمعي : نعم أصلحك اللّه ، ما أحتاج أن أعيد النظر في دفتر ، وما أنسيت شيئا قط ، فقال الحسن : فنحن نجرب هذا القول بواحدة ، يا غلام ؛ هات الدفتر الفلاني ؛ فإنه يجمع كثيرا مما قد أنشدتناه وحدثتناه ، فأدبر الغلام ليأتي بالدفتر ، فقال الأصمعي : أعزك اللّه ، وما حاجة إلى هذا ؟ أنت وقعت على خمسين قصة ، أنا أعيد القصص التي مرت ، وأسماء أصحابها ، وتوقيعاتها كلها ، فامتحن ذلك بالنظر إليها ، فأكبر ذلك من حضر ، وعجبوا واستضحكوا ، وكان الحسن قد عارض بتلك التوقيعات وأثبتها في دفتر البيت ، فقال الحسن : يا غلام ؛ أردد القصص ، فردّت وقد شدت في خيط كي تحفظ ، فابتدأ الأصمعي فقال : القصة الأولى لفلان بن فلان ، قصته كذا وكذا ، ووقعت أعزك اللّه كذا وكذا ، حتى أنفذ على هذا السبيل سبعا وأربعين قصة ، فقال الحسن : يا هذا ؛ حسبك الساعة ، واللّه أقتلك - يعني : أصيبك بعيني - يا غلام ؛ خمسين ألفا فأحضرها بدرا ، ثم قال : يا غلمان ؛ احملوا معه إلى منزله ، فتبادر الغلمان بحملها ، فقال : أصلحك اللّه ، تنعم بالحامل ، كما أنعمت بالمحمول ، قال : هم لك ، ولست منتفعا بهم ، واشتريتهم منك بعشرة آلاف درهم ، احمل يا غلام مع أبي سعيد ستين ألفا ، قال : فحملت معه ، وانصرف الباقون بالخيبة . أصله من البصرة ، ثم قدم بغداد في أيام الرشيد ، وسبب قدومه ومعرفته بالرشيد ما ذكر في « المقتبس » أيضا : أنه لما قدم الرشيد البصرة . . قال جعفر بن يحيى للصباح بن عبد العزيز : قد عزم أمير المؤمنين على الركوب في زلال في نهر الأيلة ، ثم يخرج إلى دجلة ، ويرجع في نهر معقل ، وأحب أن يكون معه رجل عالم بالقصور والأنهار والقطائع ؛ ليقصها له ، فقال : لا أعرف من يفي بهذا ويصلح له غير الأصمعي ، قال : فأتني به ، فأتيته به ، فتحدث بين يدي جعفر ، فأضحكه وأعجبه ، فأدخله إلى الرشيد ، فركب معه ، فجعل لا يمر بنهر ولا بأرض إلا خبر بأصلها وفرعها ، وسمى الأنهار ، ونسب القطائع ، فقال الرشيد لجعفر : ويحك ، ما رأيت مثل هذا قط ! من أين غصت عليه ؟ ! فلما قارب البصرة . . قال للرشيد : والذي شرفني بخطابك ؛ إن لي من كل ما مررت به موضع قدم ، فضحك الرشيد وقال : اشتر له يا جعفر أرضا ، فاشترى له بنهر الأيلة أربعة عشر جريبا بألف وأربع مائة دينار ، وكان جعفر قد نهاه عن سؤال الرشيد ، ووعده بكل ما يريد ، فقال : أما نهيتك عن سؤاله ؟ ! قال : انتهزت الفرصة ، فأخبرته خبري ، فكرم .