ابن أبي مخرمة
400
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
زي الكتاب له هيئة حسنة ، فأجلسه إلى جانبي وقال له : أتعرف هذا ؟ قال : لا ، فقال : هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة ، أقدمناه لنستفيد من علمه ، فدعا له الرجل ، ثم التفت الرجل إلي وقال : كنت إليك مشتاقا ، وقد سئلت عن مسألة ، أفتأذن لي أن أعرفك إياها ؟ فقلت : هات ، فقال : قال اللّه تعالى : ( طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف ، وهذا لم يعرف ، فقلت : إنما كلم اللّه العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرئ القيس : [ من الطويل ] أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال وهم لم يروا الغول قط ، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم . . أوعدوا به ! فاستحسن الفضل والسائل ذلك ، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه ، فلما رجعت إلى البصرة . . عملت كتابي الذي سميته : « المجاز » ، وسألت عن الرجل فقيل لي : هو من كتّاب الوزير وجلسائه . وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب « المجاز » ، وأنه يتكلم في كتاب اللّه برأيه ، فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو ، فركب حماره في ذلك اليوم ، ومر بحلقته ، فنزل عن حماره ، فسلم عليه ، وجلس عنده وحادثه ، ثم قال : يا أبا سعيد ؛ ما تقول في الخبز ، أي شيء هو ؟ قال : هو الذي تخبزه وتأكله ، فقال أبو عبيدة : قد فسرت كتاب اللّه برأيك ، فقال الأصمعي : هذا شيء بان لي فقلته ، ولم أفسره برأيي ، فقال أبو عبيدة : الذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه ، ولم نفسره برأينا ، ثم قام ، وركب حماره وانصرف . ولما قدم أبو عبيدة على موسى بن عبد الرحمن الهلالي ، وطعم من طعامه . . صب بعض الغلمان على ذيله مرقة ، فقال موسى : قد أصاب ثوبك مرق ، وأنا أعطيك عشرة ثياب ، فقال أبو عبيدة : لا عليك ، فإن مرقكم لا يؤذي ؛ لأن ما فيه دهن ، ففطن لها موسى ، وسكت . وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد . . قال : انظروا ، لا يكون فيه ذاك ؛ يعني أبا عبيدة ؛ خوفا من لسانه . قيل : كان أبو عبيدة مدخول النسب ، مدخول الدين ، يميل إلى مذهب الخوارج وإلى بعض الأمور القبيحة ، واللّه أعلم بحاله .