ابن أبي مخرمة
392
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وكان المأمون قد جعله يعلم ابنيه النحو ، فأراد الفراء النهوض يوما لبعض حوائجه ، فابتدرا إلى نعليه أيهما يسبق فيقدم النعلين إليه ، فتنازعا ، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما نعل إحدى رجليه ، وكان للمأمون على كل شيء صاحب خبر يرفع الخبر إليه ، فأعلمه بذلك ، فاستدعى الفراء وقال : من أعز الناس ؟ قال : ما أعز من أمير المؤمنين ، قال : بلى ، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين ، قال : يا أمير المؤمنين ؛ لقد أردت منعهما عن ذلك ، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها ، وأكسر نفوسهما عن شريفة سبقا إليها ، وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين رضي اللّه عنهم ركابيهما حين خرجا من عنده ، فقيل له في ذلك ، فقال : لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل ، فقال المأمون : لو منعتهما من ذلك لأوجعتك لوما وعتبا ، وألزمتك ذنبا ، وما وضع ما فعلاه من شرفهما ، بل رفع من قدرهما ، وبين عن جوهرهما ، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا عن ثلاث : عن تواضعه لسلطانه ، ووالده ، ومعلمه ، وقد عوضتهما مما فعلاه عشرين ألف دينار ، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما ) « 1 » . وكان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء ، فقال الفراء يوما : قلّ رجل أمعن النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه ، فقال محمد بن الحسن : يا أبا زكريا ؛ قد أمعنت النظر في العربية ، فما تقول فيمن سها في سجود السهو ؟ ففكر الفراء ساعة ثم قال : لا شيء عليه ، فقال محمد : ولم ؟ فقال : لأن المصغر لا يصغر ثانيا ، وإنما السجدتان تمام الصلاة ، فليس للتمام تمام ، فقال محمد : ما ظننت أن آدميا يلد مثلك . قيل : كان والد الفراء أقطع ؛ لأنه حضر وقعة الحسين بن علي رضي اللّه عنهما ، فقطعت يده في تلك الحروب . توفي الفراء سنة سبع ومائتين . 1009 - [ بشر بن عمر الزهراني ] « 2 » بشر بن عمر الأزدي الزهراني البصري أبو محمد . سمع شعبة ، ومالك بن أنس ، وهشام بن سعد وغيرهم .
--> ( 1 ) « تاريخ بغداد » ( 14 / 155 ) . ( 2 ) « طبقات ابن سعد » ( 9 / 301 ) ، و « الجرح والتعديل » ( 2 / 361 ) ، و « تهذيب الكمال » ( 4 / 138 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 9 / 417 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 14 / 77 ) ، و « تهذيب التهذيب » ( 1 / 230 ) .