ابن أبي مخرمة

39

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يقال : صعد الوليد بن عبد الملك المنبر ، فسمع صوت ناقوس في بيعة ، فأمر بهدم البيعة ، فكتب إليه الأحزم ملك الروم : إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك ، فإن يكونوا أصابوا . . فقد أخطأت ، وإن تكن أصبت . . فقد أخطئوا ، فقال : من يجيبه ؟ فقال الفرزدق : أنا ، فكتب إليه : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ . وسئل بعض أهل العلم عن السبايا المزوجات من الكفار : هل يحل للسابي وطؤها ؟ فأبطأ في الجواب ، فقال الفرزدق : [ من الطويل ] وذات حليل أنكحتها رماحنا * حلالا لمن يبني بها لم تطلّق ويقال : إنه اجتمع هو والحسن البصري ، فقال للحسن : أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد ؟ قال : ما يقولون ؟ قال : يقولون : اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس ، فقال الحسن : كلا ، لست بخيرهم ، ولست بشرهم ، ولكن ما أعددت لمثل هذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ ستين سنة . ويقال : إن الفرزدق لقي علي بن أبي طالب . وتنسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له الرحمة بها ، وذلك : أن هشام بن عبد الملك حج في أيام أبيه ، فجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام ، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس ، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام ؛ إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين ، فلما انتهى إلى الحجر . . تنحى له الناس فاستلمه ، فقال رجل من أهل الشام : من هذا الذي هابه الناس يا بن أمير المؤمنين ؟ فقال هشام : لا أعرفه ؛ مخافة أن يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق - وكان حاضرا - : أنا أعرفه ، فقال الشامي : من هو يا أبا فراس ؟ فقال : [ من البسيط ] هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرم هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم . . الأبيات المشهورة ، وهي نحو خمسة وعشرين بيتا ، فغضب هشام وحبس الفرزدق ، فبعث إليه زين العابدين اثني عشر ألف درهم ، فردها وقال : مدحته للّه تعالى لا للعطاء ، فقال زين العابدين : إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا . . لا نستعيده ، فقبلها الفرزدق .