ابن أبي مخرمة

389

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

فأما إذا أصبت بفرد عين * فخذ من عينك الأخرى كفيلا فقد أيقنت أنك عن قريب * بظهر الشمس تلتمس السبيلا فلما سمعها . . قال : احذر أن تنشد هذا أحدا . ويحكى أن طاهرا دخل على المأمون يوما في حاجة ، فقضاها له وبكى ، فقال له طاهر : لم تبكي يا أمير المؤمنين ، لا أبكى اللّه عينك ؟ قد دانت لك الدنيا ، وبلغت الأماني ، فقال : أبكي لا عن ذل ، ولا حزن ، ولكن لا تخلو نفس عن شجن ، فاغتم طاهر لموجب بكائه ، وكان خادم المأمون حاضرا للقضية ، فأنفذ إليه طاهر مائتي ألف درهم وقال : لقد أغمني بكاء أمير المؤمنين ، فتلطف في البحث عن سبب بكائه ، فلما كان في بعض خلوات المأمون . . سأله الخادم عن ذلك البكاء ، فقال : ما لك ولهذا ويلك ، فقال : غمني بكاؤك ، فقال المأمون : هو أمر إن خرج من رأسك . . أخذته ، فقال : يا سيدي ومتى أبحت لك سرا ؟ ! فقال : إني ذكرت أخي محمدا وما ناله من الذلة ، فخنقتني العبرة ، ولن يفوت طاهرا مني ما يكره ، فأخبر الخادم طاهرا بذلك ، فركب طاهر إلى أحمد بن خالد ، فقال له : إن الثناء مني ليس برخيص ، وإن المعروف عندي ليس بضائع ، فغيبني عن المأمون ، قال : سأفعل ، فبكّر إليّ غدا ، وركب ابن خالد إلى المأمون وقال : لم أنم البارحة ، فقال : ولم ؟ قال : لأنك وليت خراسان غسانا ، وهو ومن معه أكلة رأس ، وأخاف أن يصطلمه مصطلم ، قال : فمن ترى ؟ قال : طاهر ، فقال : هو خالع ، فقال : أنا ضامن له ، فدعا المأمون طاهرا ، وعقد له على خراسان ، وأهدى له خادما كان رباه ، وأمره إن رأى منه ما يريبه أن يسمه ، فلما تمكن طاهر من ولاية خراسان . . قطع خطبة المأمون يوم الجمعة ، فأصبح يوم السبت ميتا على فراشه ، قيل : إن الخادم سمه في كامخ ، وذلك في سنة سبع ومائتين ، فاستخلف المأمون طلحة بن طاهر المذكور على خراسان نائبا عن أخيه عبد اللّه بن طاهر . 1007 - [ الواقدي ] « 1 » أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي المدني العلامة .

--> ( 1 ) « طبقات ابن سعد » ( 7 / 603 ) ، و « تاريخ بغداد » ( 3 / 212 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 166 ) ، و « معجم الأدباء » ( 6 / 689 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 4 / 348 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 9 / 454 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 14 / 361 ) ، و « الوافي بالوفيات » ( 4 / 238 ) ، و « مرآة الجنان » ( 2 / 36 ) .