ابن أبي مخرمة

346

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

حتى أناخ بفنائه ، ونال مراده وفي ذلك يقول أبو العتاهية : [ من الوافر ] ألا نادت هرقلة بالخراب * من الملك الموفق للصواب غدا هارون يرعد بالمنايا * ويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحل النصر فيها * تمر كأنها قطع السحاب « 1 » وفي المحرم من السنة المذكورة : سخط الرشيد على البرامكة بعد تمكنهم الشديد منه ، وعلو مرتبتهم عنده ، فقتل جعفر بن يحيى بن خالد بالأنبار بموضع يقال له : العمر ، وأرسل بجثته إلى بغداد ، فنصب نصفها الأعلى على الجسر الأعلى ، ونصفها الأسفل على الجسر الأسفل ، وحبس أخاه الفضل بن يحيى وأباهما يحيى بن خالد . واختلف في سبب غضبه على البرامكة : فقيل : حمل العباسة أخت الرشيد من زوجها جعفر المذكور ، وذلك : أن الرشيد كان يحب أخته العباسة وجعفر بن يحيى حبا شديدا ، ولا يتم سروره إلا باجتماعهما عنده ، فزوجها منه ؛ ليحل له النظر إليها والاجتماع بها ، وشرط عليه ألّا يقربها البتة ، فأحبت العباسة جعفرا ، وراودته على الاجتماع بها ، فأبى وخاف ، وكانت عبادة أم جعفر ترسل إليه كل ليلة جمعة جارية بكرا ، فقالت العباسة لأم جعفر : أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك التي ترسلين إليه ، فامتنعت أم جعفر ، فقالت : لئن لم تفعلي . . لأذكرن لأخي أنك خاطبتني بكيت وكيت ، ولئن اشتملت من ابنك على ولد . . ليكونن لكم الشرف ، وما عسى يفعل أخي إذا علم أمرنا ؟ فأجابتها أم جعفر ، وجعلت تعد ابنها أنها ستهدي إليه جارية بارعة الحسن والجمال ، وهو يطالبها بالوعد المرة بعد الأخرى ، فلما علمت أنه قد اشتاق إلى ذلك . . أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلة ، ففعلت ، وأدخلت على جعفر ، وكان لا يثبت صورتها ؛ لأنه كان عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها مخافة ، فلما قضى وطره منها . . قالت له : كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ فقال : وأي بنت ملك أنت ؟ قالت : أنا مولاتك العباسة ، فطاش عقله وقال لأمه : بعتيني واللّه رخيصا ، وحبلت العباسة منه ، وجاءت بولد ، فوكلت به غلاما اسمه : رياش ، وجارية اسمها : برة ، ولما خافت ظهور الأمر . . بعثتهم إلى مكة .

--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 8 / 307 ) ، و « المنتظم » ( 5 / 504 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 5 / 358 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 12 / 33 ) ، و « مرآة الجنان » ( 1 / 403 ) ، و « البداية والنهاية » ( 10 / 625 ) ، و « شذرات الذهب » ( 2 / 390 ) .