ابن أبي مخرمة

317

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وأخبار الفضل في الجود وغيره من حسن الأخلاق كثيرة شهيرة . ولما غضب الرشيد على البرامكة ، وقتل جعفرا . . حبس الفضل ووالده ، وضرب الفضل في الحبس مائتي سوط حتى جرح ظهره ، فعالجه طبيب حتى برئ ، فاقترض الفضل من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم ، وسيرها للطبيب ، فردها ، فظن الفضل أنه استقلها ، فاقترض عشرة آلاف أخرى ، وسيرها إلى الطبيب ، فأبى أن يقبلها وقال : ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام كراء ، واللّه ؛ لو كانت عشرين ألف دينار ما قبلتها ، فلما بلغ الفضل ذلك . . قال : واللّه ؛ إن الذي فعله هذا أبلغ مما فعلناه في جميع أيامنا من المكارم ، وكان الطبيب في شدة وفاقة ، وكان الفضل ينشد وهو في السجن : [ من الطويل ] إلى اللّه فيما نالنا نرفع الشكوى * ففي يده كشف المضرة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلا نحن في الموتى ولا نحن في الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا وكان الفضل كثير البر بأبيه ، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد في زمن الشتاء ، فيقال : إنه لما كان في السجن . . لم يقدر على تسخين الماء ، فكان الفضل يأخذ الإبريق النحاس ، فيلصقه إلى بطنه زمانا عسى تنكسر برودته بحرارة بطنه ؛ حتى يستعمله أبوه . ولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة سبع وأربعين ومائة ، وتوفي في السجن سنة اثنتين وتسعين ومائة في المحرم ، ولما بلغ الرشيد موته . . قال : أمري قريب من أمره ، فكان كذلك ؛ فإن الرشيد توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة . 922 - [ العباس بن الأحنف ] « 1 » العباس بن الأحنف اليماني ، الشاعر المشهور . من قوله : [ من الطويل ] إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة * فلا خير في ود يكون بشافع فأقسم ما تركي عتابك من قلى * ولكن لعلمي أنه غير نافع

--> ( 1 ) « الأغاني » ( 8 / 366 ) ، و « تاريخ بغداد » ( 12 / 127 ) ، و « المنتظم » ( 5 / 563 ) ، و « معجم الأدباء » ( 4 / 357 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 3 / 20 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 13 / 245 ) ، و « العبر » ( 1 / 312 ) ، و « الوافي بالوفيات » ( 16 / 638 ) ، و « مرآة الجنان » ( 1 / 442 ) ، و « البداية والنهاية » ( 10 / 642 ) .