ابن أبي مخرمة
300
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
له : ضع يدك على رأسي واحلف به ، ففعل ذلك ، فلما استوثق منه بالأيمان . . قال : هذا فلان ابن فلان - لرجل من العلوية - أحب أن تكفيني مؤنته ، وتريحني منه ؛ يعني : بقتله ، وأمر بتحويل الجارية وما في المجلس من الأثاث والمال المذكور إليه ، فاشتد سروره بالجارية ، وجعلها عنده في مجلسه ، فقال له العلوي : ويحك يا يعقوب ؛ تلقى اللّه بدم رجل من ولد فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له يعقوب : خذ المال وخذ أي طريق شئت ، فقال : طريق كذا آمن لي ، فقال : امض مصاحبا بالسلامة ، والجارية تسمع ذلك ، فوجهت بعض خدمها إلى المهدي تعلمه بذلك ، وقالت : هذا جزاء من آثرته بي على نفسك ، فوجه المهدي في تلك الطريق من لحق العلوي ، فرده إليه وجعله في مجلس ، ثم دعا يعقوب بن داود وقال له : ما فعل الرجل ؟ فقال : أراح اللّه أمير المؤمنين منه ، قال : مات ؟ قال : نعم ، فحلفه على ذلك ، فحلف وأقسم برأسه ، فقال المهدي : يا غلام ؛ أخرج إلينا من في هذا البيت ، ففتح بابه عن العلوي والمال بعينه ، فبقي يعقوب متحيرا لا يدري ما يقول ، فقال له المهدي : لقد حل دمك ، ولو أردت إراقته . . لأرقته ، ولكن احبسوه في المطبق ، فحبسوه ، وأمر بأن يطوى خبره عن كل أحد ، فأقام فيه سنتين وشهورا في أيام المهدي وأيام الهادي جميعها ، ثم شفع فيه يحيى بن خالد البرمكي ، فأخرجه الرشيد ، وقد ذهب بصره ، فأحسن إليه ، ورد عليه ماله ، وخيره المقام حيث أراد ، فاختار مكة ، فأذن له في ذلك ، فأقام بها حتى مات في سنة سبع وثمانين ومائة « 1 » . ويروى : أن المهدي حبسه في بئر وبنى عليه قبة ، فمكث في البئر خمس عشرة سنة ، وكان يدلّى إليه كل يوم رغيف وكوز ماء ، ويؤذن بأوقات الصلاة ، قال : فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة . . أتاني آت في منامي فقال : [ من البسيط ] حنى على يوسف ربّ فأخرجه * من قعر جبّ وبيت حوله غمم قال : فحمدت اللّه تعالى وقلت : أتاني الفرج ، ثم مكثت حولا لا أرى شيئا ، فأتاني على رأس الحول ذلك الآتي وقال : [ من الطويل ] عسى فرج يأتي به اللّه إنه * له كل يوم في خليقته أمر قال : ثم أقمت حولا آخر ، ثم أتاني ذلك الآتي فقال : [ من الوافر ] عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب
--> ( 1 ) في معظم المصادر عدا « مرآة الجنان » أنه توفي سنة ( 182 ه ) .