ابن أبي مخرمة

251

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الجنائز ، ويعود المرضى ، ويقضي الحقوق ، ويجتمع إليه أصحابه في المسجد ، ثم ترك الجلوس في المسجد ، فكان يصلي وينصرف ، وترك حضور الجنائز ، وكان يأتي أصحابها فيعزيهم ، ثم ترك ذلك كله ؛ فلم يشهد الصلوات في المسجد ، ولا الجمعة ، ولا يعزي أحدا ، ولا يقضي له حقا ، واحتمل الناس له ذلك حتى مات ، فقيل له في ذلك ، فقال : ليس كل أحد يقدر أن يتكلم بعذره . وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي عم المنصور وأمير المدينة ، وقالوا : إنه لا يصحح بيع المكره وطلاقه ، ويعرض بذلك لعدم صحة بيعتكم ، وأنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء ، فغضب جعفر وجرده وضربه بالسياط ، ومدت يده حتى انخلعت كتفه ، ونال منه أمرا عظيما ، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة ، وكأنما كانت تلك السياط حليا حلي بها . ولما حج المنصور . . اعتذر إليه من فعل جعفر بن سليمان به ، وأراد أن يقيده منه ، فقال مالك : واللّه ؛ ما رفعت عني الأسواط . . إلا وقد عفوت عنه ؛ لقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال القعنبي : دخلت على مالك في مرض موته ، فرأيته يبكي ، فقلت : وما يبكيك ؟ قال : يا بن قعنب ؛ ومن أحق بالبكاء مني ؟ ! واللّه ؛ لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأي بسوط سوط ، ولقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه ، وليتني لم أفت بالرأي ، أو كما قال . وتوفي رحمه اللّه تعالى بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة ، ودفن بالبقيع ، ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج بقوله : [ من الطويل ] سقى اللّه جدثا بالبقيع لمالك * من المزن من غادي السحائب براق إمام « موطؤه » الذي طبقت به * أقاليم في الدنيا فساح وآفاق إمام به شرع النبي محمد * له حذر من أن يضام وإشفاق له مسند عال صحيح بهمة * فللكل منه حين يرويه إطراق وأصحاب صدق كلهم علم فسل * بهم إنهم إن أنت سائلت حذاق ولو لم يكن إلا ابن إدريس وحده * كفاه على أن السعادة أرزاق