ابن أبي مخرمة
204
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
رياحا الذي كان أميرا بالمدينة في محبسه ، وبعث عيسى برأس محمد إلى المنصور « 1 » . وفيها : خرج أخوه إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن الحسني بالبصرة ، وكان سار إليها من الحجاز ، فدخلها سرا في عشرة أنفس ، ثم إنه دعا إلى نفسه سرا بالبصرة حتى بايعه بها نحو أربعة آلاف ، وبايعه القراء والفقهاء ، وتهاون والي البصرة سفيان بن معاوية بن عمر بن حفص حتى اتسع الخرق ، فأظهر إبراهيم أمره أول ليلة من شهر رمضان ، فتحصن منه أمير البصرة سفيان بن معاوية المذكور في دار الإمارة ، ولما بلغ المنصور خروج إبراهيم بالبصرة . . تحول فنزل الكوفة ليأمن غائلة أهلها ، وكان في الكوفة من يبايع لإبراهيم ، وأقبل الخلق إلى إبراهيم ما بين ناصر وناظر ، وأرسل المنصور جيشا مع جعفر ومحمد ابني سليمان بن علي ، فقاتلا إبراهيم ، فهزمهما إبراهيم ، فلما انهزما . . طلب سفيان بن معاوية أمير البصرة من إبراهيم الأمان فأمنه ، ففتح له القصر ، فوجد إبراهيم من الحواصل ست مائة ألف ، ففرقها بين أصحابه خمسين خمسين ، وبعث إبراهيم عماله في شهر رمضان في الجهات ليخرج على المنصور من كل جهة فتق ، فبعث عاملا على الأهواز ، وآخر إلى فارس ، وآخر إلى واسط ، فتغلب أصحابه على هذه النواحي جميعها ، وكان المنصور في جمع يسير وعامة جيوشه في النواحي ، فالتزم بعدها ألّا يفارقه ثلاثون ألفا ، ووصل إلى إبراهيم مصرع أخيه بالمدينة قبل عيد الفطر بثلاث ، فعيد الناس وهم يرون فيه الانكسار ، والمنصور في ذلك لا يقر له قرار ، ولم يأو إلى فراش خمسين ليلة ، وفي كل يوم يأتيه فتق من ناحية ، هذا ومائة ألف سيف كامنة له في الكوفة ، فلو هجم إبراهيم الكوفة . . لظفر بالمنصور ، ولكن كان فيه دين ، فقال : أخاف إن هجمتها أن يستباح الصغير والكبير ، فقيل له : تخرج على مثل المنصور ، وتتوقى قتل الصغير والكبير ؟ ! وكان أصحابه مع قلة رأيه يختلفون عليه وكل يشير برأي ، فلم يبرح المنصور إلى أن وصل إليه من المدينة عيسى بن موسى وحميد بن قحطبة ، فوجههما إلى إبراهيم في جيش كثيف ، فالتقوا بإبراهيم وجنده على يومين من الكوفة ، فاشتد الحرب وظهر أصحاب إبراهيم ، فانهزم حميد بن قحطبة مقدم جيوش المنصور ، ووصل إلى المنصور خلق من المنهزمين ، فهيأ المنصور النجائب ليهرب إلى الري ، وكان يتمثل بقول الشاعر : [ من الكامل ] ونصبت نفسي للرماح دريّة * إن الرئيس لمثل ذاك فعول
--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 7 / 552 ) ، و « المنتظم » ( 5 / 123 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 5 / 109 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 9 / 21 ) ، و « دول الإسلام » ( 1 / 132 ) ، و « شذرات الذهب » ( 2 / 201 ) .