ابن أبي مخرمة
195
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وكان جيد السياسة والتدبير ، حسن البيان ، سليط اللسان ، شديد البخل ؛ مات وفي بيت المال ست مائة ألف ألف وستون ألف دينار ، وقيل : درهم . وكان يسمع الوعظ من أهل الفضل والدين ، وهو الذي بنى بغداد وأسسها ، ومكث قبل بنائها سنة يتردد ليرتاد موضعا يبنيه ، فبينا هو كذلك ؛ إذ براهب أشرف من بنيان مقيم فيه ، فقال له : أراك منذ شهور تدور وتكثر الترداد في هذا الموضع ، قال : أريد أن أبني فيه مدينة ، فقال له الراهب : لست صاحبها ، إنا نجد أن صاحبها يقال له : مقلاص ، فقال له أبو جعفر : أنا واللّه ؛ صاحبها ، كنت أدعى وأنا صبي في الكتّاب بمقلاص ، وأمر حينئذ ببنائها ، وكتب إلى البلدان : أن يوجه إليه بما يحتاجه ، ويتوقف على عمارتها ، ثم قال لنبوخت المنجم : اختر لي وقتا أضع فيه الأساس والبناء ، فاختار له ، فوضع الأساس في ذلك الوقت الذي عينه له ، ويقال : إن أول لبنة من الأساس وضعها المنصور بيده وقال : باسم اللّه والحمد للّه ، إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين . فلما وضع الأساس . . قال لنبوخت المنجم : احكم الآن ، فقال : يتم بناؤها وتكون مدينة ليس في شرق ولا غرب لها نظير ، وتعمر عمرانا لم ير مثله ، قال أبو جعفر : ثم ما ذا ؟ قال : ثم تخرب بعد موتك خرابا ليس بصحراء ، ولكن دون العمران . ووزنت لبنة سقطت من السور ؛ فكان وزنها اثنين وثمانين رطلا ، ولما تم بناؤها وأراد النقلة إلى قصره بباب الذهب . . وقف على باب القصر يتأمله ؛ فإذا على الحائط : [ من الخفيف ] أدخل القصر لا تخاف زوالا * بعد ستين من سنيك رحيل فوقف مليا وتغر غرت عيناه وقال : بقية لغافل ، وفسحة لجاهل كأنه حسب ما بقي من عمره من السنين . ومات محرما بالحج ببئر ميمون بالقرب من مكة ، ودفن مكشوف الرأس ، وذلك سنة ثمان وخمسين ومائة . 772 - [ حيوة بن شريح ] « 1 » حيوة بن شريح - بمعجمة أوله ومهملة آخره - الحضرمي الكندي أبو زرعة التجيبي المصري .
--> ( 1 ) « طبقات ابن سعد » ( 9 / 522 ) ، و « الجرح والتعديل » ( 3 / 306 ) ، و « تهذيب الكمال » ( 7 / 482 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 6 / 404 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 9 / 386 ) ، و « تهذيب التهذيب » ( 1 / 508 ) ، و « شذرات الذهب » ( 2 / 260 ) .