ابن أبي مخرمة
157
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
لكن ذكر بعضهم : أن له رسائل وخطبا وتفسيرا وكتابا في الرد على القدر ، فاللّه أعلم بصحة ذلك « 1 » . وكان من العبادة والزهد والتأدب بآداب الكتاب والسنة كما وصفه الحسن البصري ، وقد سئل عنه فقال للسائل : سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته والأنبياء ربته ، إن قام بأمر . . قعد به ، وإن قعد بأمر . . قام به ، وإن أمر بشيء . . كان ألزم الناس له ، وإن نهى عن شيء . . كان أترك الناس له ، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن ولا باطنا أشبه بظاهر منه ؟ كان صديقا للمنصور قبل الخلافة ، فدخل على المنصور أيام خلافته فقربه ، وقال : عظني ، فقال : إن هذا الأمر الذي في يدك لو بقي في يد أحد ممن كان قبلك . . لم يصل إليك ، فاحذر من ليلة تتمخض بيوم لا ليلة بعده ، وغير ذلك من المواعظ ، فلما أراد النهوض . . قال له المنصور : قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم ، قال : لا حاجة لي فيها ، قال : واللّه ؛ لتأخذها ، قال : واللّه ؛ لا آخذها ، وكان المهدي حاضرا ، فقال : يحلف أمير المؤمنين ، وتحلف أنت ؟ ! فقال عمرو للمنصور : من هذا الفتى ؟ قال : هذا المهدي ولدي وولي عهدي ، فقال : أما لقد ألبسته لباسا ما هو من لباس الأبرار ، وسميته باسم ما استحقه ، ومهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه ، ثم التفت إلى المهدي قال : نعم يا ولدي ؛ إذا حلف أبوك . . أحنثه عمك ؛ لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك ، فقال له المنصور : هل من حاجة ؟ قال : لا تبعث إلي حتى آتيك ، قال : إذا لا نلتقي ، قال عمرو : وهي حاجتي ، فأتبعه المنصور بصره وقال : [ من مجزوء الرمل ] كلكم يمشي رويد * كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد توفي سنة أربع وأربعين ومائة وهو راجع من مكة بموضع يقال له : مرّان - بفتح الميم وتشديد الراء - وهو الموضع الذي دفن فيه تميم بن مر الذي ينسب إليه بنو تميم القبيلة المشهورة ، ورثاه المنصور بقوله : [ من الكامل ] صلّى الإله عليك من متوسد * قبرا مررت به على مرّان قبرا تضمن مؤمنا متحنفا * صدق الإله ودان بالعرفان لو أن هذا الدهر أبقى صالحا * أبقى لنا عمرا أبا عثمان
--> ( 1 ) قال الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ( 6 / 106 ) : ( وله كتاب « العدل والتوحيد » ، وكتاب « الرد على القدرية » ، يريد السنة ) .