ابن أبي مخرمة
110
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
المغرب ، ويسامره سميره حتى يذهب عامة الليل ، وكان يسأل كل ليلة عشر حوائج فيقضيها إذا أصبح ، وكان رزقه ست مائة ألف ، وكان يقسم في كل شهر في أصحابه ووجوه الناس وأهل البيوتات . واقع شيعة بني العباس فهزموه ، وتحصن بواسط ، فأرسل إليه السفاح أخاه أبا جعفر المنصور ، فحاصره نحو أحد عشر شهرا ، وبلغه أن أبا جعفر يقول : ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء ، فأرسل إليه : أنت تقول كذا ؟ ! ابرز لي لترى ، فأرسل إليه أبو جعفر : ما أجد لي ولك مثلا إلا كالأسد لقي خنزيرا ، فقال الخنزير : بارزني ، فقال الأسد : ما كنت لي بكفء ، إن بارزتك فنالني منك سوء . . كان علي عارا ، وإن قتلتك . . فلا فخر في قتلك ، فقال الخنزير : لئن لم تبارزني . . لأعرفنّ السباع أنك جبنت عني ، فقال الأسد : احتمالي لذلك أيسر من تلطخ براثني بدمك . ثم إن ابن هبيرة طلب الصلح فأجابه المنصور ، فخرج إليه ابن هبيرة بالأمان ، وقبض ما كان في بيت المال وهو ثلاثة آلاف ألف ، وقبض ما كان في دار الرزق من الطعام وكان رزق عشرين ألف رجل ، فكان ابن هبيرة إذا أتى إلى أبي جعفر . . أتاه في جمع كثير ، فمنع من ذلك ، فصار في نفر يسير ، ثم في ثلاثة ، وكان أبو مسلم الخولاني يحرض السفاح على قتل ابن هبيرة ، ويقول : طريق السهل لا يصلح أن يكون فيها حجر ، وكان السفاح يحث أبا جعفر على قتله . وقال ابن هبيرة يوما لأبي جعفر : إن دولتكم بكر ، فأذيقوا الناس حلاوتها ، وجنبوهم مرارتها . . تحصل محبتكم في قلوبهم ، ويعذب ذكركم على ألسنتهم ، وما زلنا منتظرين لدعوتكم . وكان بينه وبين أبي جعفر المنصور ستر فرفعه المنصور ، وقال في نفسه : عجبا ممن يأمرني بقتل هذا ، وبالغ السفاح في حث المنصور على قتله وهو يمتنع ، فلم يزل به حتى قتله ، وكان قد قاتل دونه ولده ، فقتل مع الولد جماعة من أصحابه ، ثم قتل يزيد ابن هبيرة وهو ساجد في سنة ثلاث - أو اثنتين - وثلاثين ومائة ، ورثاه أبو عطاء السندي بقوله : [ من الطويل ] ألا إن عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات وشققت * جيوب بأيدي مأتم وخدود