ابن أبي مخرمة
8
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
والذي يعنينا في هذه الأحرف : أن المؤلف استقى مادة كتابه - ولا سيما تراجم أهل اليمن خاصة - من مصادر متنوعة وثيقة ، حبرتها أنامل يمنية ؛ ك « كتاب السلوك » للجندي ، و « طراز أعلام الزمن » للخزرجي ، و « تحفة الزمن » للأهدل ، و « الجوهر الشفاف » للخطيب ، و « البرقة المشيقة » لعلي بن أبي بكر ، و « طبقات الخواص » لشهاب الدين الشّرجي الزبيدي ، و « تاريخ ابن حسان » ، وهو مصدر نفيس ، ولكنه في عداد الكتب المفقودة التي لم تعرف إلا بالنقل من نصوصها في هذه « القلادة » . وخلاصة القول : إن هذا الكتاب الموسوم ب « قلادة النحر » تميز بالخصائص التالية : 1 - تميز بتنوع التراجم ؛ فهو لم يعن بتراجم طبقة معينة ، ولم يقتصر على زمن دون آخر ، ولم ينتق تراجم قطر خاص ، فقد حلت « قلادته » جيد التاريخ ، وأشرقت في نحر الأعيان ؛ من محدثين وفقهاء ، وخلفاء ووزراء ، وشعراء وأدباء ، وملوك وسلاطين ، وقواد وفاتحين ، وقضاة ونحاة ، وزهاد وعباد ، اغترف من بحر الحقائق دون مواربة ، ونطق قلمه بالصدق دون تلعثم ، وكشف عن محيا الحقيقة ، فتجلت في أبهى حللها ، وقيد في « قلادته » من الفوائد النفيسة ما يزري باللؤلؤ المنظوم ؛ لأن تفنن فكره وتنوع معارفه كان لهما أثر خلاب ؛ إذ سكب من تلك المعارف في طروسه ، فبهر أولي الألباب ؛ لما ضمه فيها من نفائس مستجادات ، وتحليلات واستنتاجات . 2 - إن الترتيب الزمني اعتمد فيه على السنين ؛ فافتتح كتابه من فاتحة التاريخ الهجري سنة ( 1 ه ) إلى عصر المؤلف سنة ( 927 ه ) ، وهو إذ قسمه إلى وحدات مئوية . . فإنه جزء الوحدة إلى خمسة أقسام ، كل قسم يضم طبقات عشرين سنة ، والعشرون ذاتها جعلها شطرين : الأول خصصه للتراجم مرتبة على الوفيات ، والثاني في الحوادث ورتبها على السنين ، وهذه الطريقة التي سلكها في الترتيب من أوليات « القلادة » ؛ إذ هو ابتكار غير مسبوق ، ونظام لم ينسج على منواله السابقون . وهو في خضم نقش التراجم لم يميز تراجم اليمنيين عمن سواهم من الأقطار الأخرى ، بل كانت التراجم خليطا من هؤلاء وأولئك ، فالكل على بساط التاريخ سواسية ، فلا تحيز ولا عاطفة ميالة ، وكأن يراعة الشيخ تقول : ( وكل إناء بالذي فيه ينضح ) . 3 - وكما كان للمؤلف مصادر يستقي منها تراجمه لأهل اليمن . . كذلك كانت له مصادر وثيقة متنوعة اعتمد عليها للتراجم العامة ، ومن أبرزها : كتب مؤرخ الإسلام الذهبي ،