ابن أبي مخرمة
39
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وعلى النبي وآله أفضل الصلوات والتسليم [ خطبة الكتاب ] الحمد للّه الباقي بعد فناء خلقه ، المانّ عليهم بإدرار رزقه ، الموجب عليهم القيام بأداء حقه ، كل شي هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه يرجع الأمر كله ، لا مطمع في البقاء لسواه سبحانه ، وبيده إبرام الأمر وحلّه . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة من عذب بالتوحيد لسانه ، واطمأن إلى الإخلاص فيه جنانه . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، المبعوث خاتما للرسل ، موضحا للسبل ، فجاء بملة هي خير الملل ، وجاهد في اللّه قام الحق واعتدل . صلّى اللّه وسلم عليه ، وزاده فضلا وشرفا لديه ، وعلى آله الذين طهّرهم من الرجس تطهيرا ، وعلى صحابته الذين دمّر بهم الكفر وأهله تدميرا ، وعلى التابعين لهم بإحسان ، ما تعاقبت الدهور والأزمان . أما بعد : فإنه لما كان التاريخ طريقا إلى العلم بحال من درج من القرون الماضية ، ووسيلة إلى حفظ أخبارهم وحوادثهم الجارية ، وكان في ذلك عبرة لمن اعتبر ، وعظة واضحة لمن ادّكر ؛ لما يقف عليه فيه من تقلب الدهور ، وتغير الأحوال والأمور . . أردت أن أجمع فيه مجموعا لائقا ، وأنموذجا فائقا ، فجرّدت في ذلك عزمي ، وصرفت إلى تحصيله همّي ، فجاء بحمد اللّه تأليفا وافيا ، وترصيفا كافيا ، سلكت فيه طريق التوسط بين الإطناب الممل والإيجاز المخل ، ورتبته على السنين ، مبتدئا بأول سنة من هجرة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ، جاعلا كل مائة منها خمس طبقات ، ذاكرا في كل عشرين من طبقاتها تراجم أهلها ، محررا كل ترجمة غالبا بتلخيصها من أصلها ، مبتكرا لإنشائها نادرا أو معولا على نقلها ، مقدما غالبا من وقفت على تاريخ وفاته ، معقبا له بذكر من جهلت وقت مماته ، معيدا تلك