ابن أبي مخرمة

126

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه : « إن اللّه قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها » « 1 » ، فأول من هاجر إلى المدينة بعد العقبة : أبو سلمة بن عبد الأسد ، ثم عامر بن ربيعة ، ثم عبد اللّه بن جحش ، ثم تتابعوا أرسالا ، فلقوا من الأنصار دارا ، وجوارا آثروهم على أنفسهم في أقواتهم ، وقاسموهم أموالهم . وأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينتظر الإذن في الهجرة ، ولم يتخلف معه أحد إلا من حبس أو فتن ، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنهما ؛ فإنهما حبسا أنفسهما على صحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » . ولما رأت قريش ما لقي أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم من حسن الجوار وطيب الحال . . خافوا خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمره ، فتصور لهم إبليس في صورة شيخ نجدي مشاركا لهم في الرأي ، فتحدثوا أن يربطوه في الحديد ، ويغلقوا دونه الأبواب حتى يموت ، أو أن يخرجوه من بين أظهرهم فيستريحوا منه ، وأشار أبو جهل أن يجمعوا من كل قبيلة رجلا ، فيقتلونه دفعة واحدة ، فيفترق دمه في القبائل حتى يعجز قومه عن طلب الثأر ، فحسّن الشيخ النجدي رأيه ، وتفرقوا على ذلك « 3 » . ولما قصدوه لذلك . . أخبره جبريل بقصدهم ، فأمر صلّى اللّه عليه وسلم عليا أن ينام على فراشه يتسجّى ببرده ، وأخبره أنه لن يخلص إليه شيء يكرهه ، فلما قعدوا على بابه لذلك . . خرج عليهم صلّى اللّه عليه وسلم وبيده حفنة من تراب ، فجعل ينثرها على رؤوسهم وهو يتلو صدر ( سورة يس ) ، فأتاهم آت ، فقال لهم : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا ، قال : خيّبكم اللّه ؛ قد خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك أحدا منكم إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، فمسّ كل منهم رأسه فوجده كما قيل ، ثم نظروا إلى الفراش ، فرأوا عليا مسجّى بالبرد ، فبقوا متحيرين حتى أصبحوا ، فقام علي ، فعرفوا صدق المخبر لهم ، وأنزل اللّه في

--> ( 1 ) ذكره الطبري في « تاريخه » ( 2 / 369 ) ، وابن هشام في « السيرة » ( 2 / 468 ) ، وعند ابن سعد ( 1 / 192 ) بسنده عن عائشة : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب ، فمن أراد الخروج . . فليخرج إليها » . ( 2 ) أخرجه الحاكم ( 2 / 435 ) ، وانظر « طبقات ابن سعد » ( 1 / 193 ) ، و « تاريخ الطبري » ( 2 / 369 و 375 ) . ( 3 ) أخرجه أبو نعيم في « الدلائل » ( 1 / 257 ) ، والبيهقي في « الدلائل » ( 2 / 466 ) ، وابن سعد ( 1 / 193 ) ، والطبري في « التاريخ » ( 2 / 370 ) .