ابن أبي مخرمة
121
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ولثمانية أشهر وأحد عشر يوما من العاشرة : مات عمه أبو طالب ، فاشتد حزنه ، ثم بعده بثلاثة أيام ماتت خديجة « 1 » ، وكانت له وزير صدق ، فتضاعف حزنه « 2 » . فلما مات أبو طالب . . نالت قريش من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ؛ حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فوضع على رأسه ترابا « 3 » ، وطرح بعضهم على ظهره رحم الشاة وهو يصلي « 4 » ، وكان بعضهم يطرحها في برمته « 5 » إذا نصبت له « 6 » ، وجميع ذلك إنما هو أذى يتأذى به مع قيام العصمة لجملته ؛ ليناله حظه من البلاء ، وليتحقق به مقام الصبر الذي أمر به كما صبر أولو العزم من الرسل . ولثلاثة أشهر من موت أبي طالب خرج صلّى اللّه عليه وسلم إلى ثقيف أهل الطائف وحده ، وقيل : كان معه زيد بن حارثة ، فأقام بها شهرا يدعوهم إلى الإسلام ، فردوا عليه أقبح رد ، واستهزؤوا به وأغروا به سفاءهم وعبيدهم يسألونه ويصيحون خلفه حتى ألجئوه إلى ظل حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وكانا حينئذ هناك ، فأرسلا إليه بطبق عنب مع غلامهما عدّاس فسأله صلّى اللّه عليه وسلم عن دينه وبلاده ، فقال : إنه نصراني من أهل نينوى ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من قرية الصالح يونس بن متّى ؟ » فقال له عداس : وما يدريك ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ذاك أخي ، هو نبي وأنا نبي » ، فقبل عداس رأسه ويديه ورجليه « 7 » . وانصرف صلّى اللّه عليه وسلم من الطائف راجعا مهموما مغموما ، فلما بلغ قرن الثعالب وهو قرن المنازل . . أتاه جبريل ومعه ملك الجبال ، واستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين وهما
--> - بخمس سنين ، وقيل : بأربع ، وقيل : بأكثر ، والأول أصح ) . ( 1 ) البيهقي في « الدلائل » ( 2 / 352 ) وروى ابن سعد في « الطبقات » ( 1 / 179 ) : أنها توفيت بعد أبي طالب بشهر وخمسة أيام ، وقيل غير ذلك . ( 2 ) البخاري ( 3896 ) ، والحاكم ( 3 / 182 ) ، والطبري في « التاريخ » ( 2 / 343 ) ، وانظر « سبل الهدى والرشاد » ( 2 / 571 ) . ( 3 ) « سيرة ابن هشام » ( 2 / 416 ) ، و « تاريخ الطبري » ( 2 / 344 ) ، و « دلائل النبوة » للبيهقي ( 2 / 350 ) . ( 4 ) في « البخاري » ( 3185 ) ، و « مسلم » ( 1794 ) من حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه : ( أن عقبة بن أبي معيط جاء بسلا جزور وقذفه على ظهر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو ساجد ، فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة عليها السلام فأخذته عن ظهره ، ودعت على من صنع ذلك ) . ( 5 ) البرمة : القدر . ( 6 ) « سيرة ابن هشام » ( 2 / 416 ) ، و « تاريخ الطبري » ( 2 / 343 ) . ( 7 ) ذكره ابن هشام في « السيرة » ( 4 / 421 ) ، والطبري في « التاريخ » ( 2 / 345 ) ، وأبو نعيم في « الدلائل » ( 1 / 389 ) ، والبيهقي في « الدلائل » ( 2 / 414 ) .