السيد علي الحسيني الميلاني
38
استخراج المرام من استقصاء الإفحام
قال ابن حجر في ( فتح الباري ) : « وقد تأوّل القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الانتصار وتبعه عياض وغيره ما حكي عن ابن مسعود فقال : لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن ، وإنّما أنكر إثباتهما في المصحف ، فإنّه كان يرى أنْ لا يكتب في المصحف شيئاً إلاّ إنْ كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أذن في كتابته فيه ، وكأنّه لم يبلغه الإذن في ذلك . قال : فهذا تأويل منه وليس جحداً لكونهما قرآناً . وهو تأويل حسن » . لكنّه تأويل عجيب وتوجيه غريب ، فأيّ مانع من درج ما هو قرآن في القرآن حتّى لا يجوّز ابن مسعود ذلك ، ويهتمّ بمحوه من المصحف ؟ إنّ مثل هذا التأويل غير مجد للدفاع عن حرمة ابن مسعود والمحافظة على مقامه . . . إنّ هذا التأويل لا يمكن قبوله أصلاً ، ولذا قال ابن حجر بعد العبارة المتقدّمة : « إلاّ أنّ الرواية الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها : ويقول : إنّهما ليستا من كتاب الله » إلاّ أنّه حاول التأويل لهذه الرواية فقال : « نعم ، يمكن حمل لفظ « كتاب الله » على « المصحف » فيتمّ التأويل المذكور . وقال غير القاضي : لم يكن اختلاف ابن مسعود مع غيره في قرآنيّتهما ، وإنّما كان في صفة من صفاتهما ، إنتهى . وغاية ما في هذا أنّه أبهم ما بيّنه القاضي » ( 1 ) . لكنّ هذا التأويل باطل أيضاً ، إذ لا يساعده لفظ الرواية عند البزّار والطبراني التي أوردها ابن حجر أيضاً ، فإنّها صريحة في أنّ ابن مسعود كان
--> ( 1 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8 : 604 .